تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
بالحقيقة سوى اللّه عز وجل . وقال الصديق رضي اللّه عنه : الحمد للّه الذي لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته . ولنقبض عنان الكلام عن هذا النمط
شرح
( ولذلك قال بعضهم ) : وهو أبو القاسم الجنيد رحمه اللّه تعالى كما صرح به المصنف في المقصد الأسنى : ( ما عرف اللّه بالحقيقة سوى اللّه عز وجل ) . قال المصنف : بل أقول يستحيل أن يعرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم غير النبي ، وأما من لا نبوة له أصلا فلا يعرف من النبوة إلا اسمها وإنها خاصية موجودة لإنسان بها يفارق من ليس نبيا ، ولكن لا يعرف ماهية تلك الخاصية إلا النبي خاصة ، فأما من ليس بنبي فلا يعرفها البتة ولا يفهمها إلا بالتشبيه بصفات نفسه بل أزيد ، وأقول : لا يعرف أحد حقيقة الموت وحقيقة الجنة والنار إلا بعد الموت ودخول الجنة والنار ، وقال في موضع آخر منه : الخاصية الإلهية ليست إلا اللّه تعالى ولا يعرفها إلا اللّه تعالى ، ولا يتصور أن لا يعرفها إلا هو أو من هو مثله وإذا لم يكن له مثل فلا يعرفها غيره ، فإذا الحق ما قاله الجنيد لا يعرف اللّه إلا اللّه تعالى ، ولذلك لم يعط أجل خلقه إلا أسماء حجبه ، فقال :سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى[ الأعلى : 1 ] فو اللّه ما عرف اللّه غير اللّه في الدنيا والآخرة ، وقيل لذي النون وقد أشرف على الموت : ما ذا تشتهي ؟ قال : أن أعرفه قبل أن أموت ولو بلحظة اه . ( وقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ) في بعض خطبه على المنبر : ( الحمد للّه الذي لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته ) . ويروى عنه أيضا : العجز عن درك الإدراك إدراك . قال المصنف في كتابه المذكور : نهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة ، ومعرفتهم بالحقيقة هي أنهم لا يعرفونه وأنهم لا يمكنهم البتة معرفته ، وأنه يستحيل أن يعرف اللّه المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا اللّه تعالى : فإذا انكشف لهم ذلك انكشافا برهانيا فقد عرفوه أي بلغوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته ، ثم قال : وللمعرفة سبيلان . أحدهما : السبيل الحقيقي وذلك مسدود إلا في حق اللّه تعالى ، فلا يهتم أحد من الخلق لنيله وإدراكه إلا ردته سبحات الجلال إلى الحيرة ، ولا يشرئب أحد لملاحظته إلا غطى الدهش طرفه . وأما السبيل الثاني : وهو معرفة الصفات والأسماء فذلك مفتوح للخلق وفيه تتفاوت مراتبهم ، فليس من يعلم أنه عالم قادر على الجملة كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض وخلق الأرواح والأجساد ، واطلع على بدائع المملكة وغرائب الصنعة ممعنا في التفصيل ومستغرقا في دقائق الحكمة ومستوفيا لطائف التدبير ومتصفا بجميع الصفات الملكية المقربة من اللّه تعالى نائلا تلك الصفات نيل اتصاف بها ، بل بينهما من البون البعيد ما لا يكاد يحصى وفي تفاصيل ذلك ومقاديره تتفاوت الأنبياء والأولياء ولن يصل ذلك إلى فهمك إلا بمثال وللّه المثل الأعلى ، ولكنك تعلم أن العالم التقي الكامل مثلا مثل الشافعي رضي اللّه عنه يعرفه بواب داره ويعرفه المزني تلميذه ، والبواب يعرف أنه عالم بالشرع ومصنف فيه ومرشد خلق اللّه تعالى إليه على الجملة ، والمزني يعرفه لا كمعرفة البواب ، بل يعرفه بمعرفة محيطة بتفاصيل صفاته ومعلوماته ، بل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 115 | مرتضى الزبيدي