تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
البشر إلّا أن يثبت للّه تعالى ما هو ثابت لنفسه من الفعل والعلم والقدرة وغيرها من الصفات مع التصديق بأن ذلك أكمل وأشرف ، فيكون معظم تحويمه على صفات نفسه لا على ما اختص الرب تعالى به من الجلال ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا أحصي ثناء عليك . أنت كما أثنيت على نفسك » . وليس المعنى أني أعجز عن التعبير عما أدركته بل هو اعتراف بالقصور عن إدراك كنه جلاله . ولذلك قال بعضهم : ما عرف اللّه
شرح
والقدرة وغيره من الصفات ) التي يتوهم فيها الاشتراك ( مع التصديق ) الحازم ( بأن ذلك ) أي ما ثبت للّه تعالى ( أكمل وأشرف ) وأعلى ، ( فيكون معظم تحويمه ) وتعريجه ( على صفات نفسه ) فقط ( لا على ما اختص الرب تعالى به من الجلال ) والعظمة . قال المصنف في المقصد الأسنى : ولا ينبغي أن يظن أن المشاركة ، بكل وصف توجب المماثلة أترى إلى الضدين يتماثلان وبينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعد فوقه وهما متشاركان في أوصاف كثيرة إذ السواد يشارك البياض في كونه عرضا وفي كونه مدركا بالبصر وأمورا أخر سواه افترى من قال : إن اللّه تعالى موجود لا في محل وانه سميع بصير عالم مريد متكلم حي قادر فاعل وللإنسان أيضا كذلك ، فقد شبه قائل هذا إذ لا أقل من إثبات المشاركة في الوجود وهو موهم للمشابهة ، بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية ، فكون العبد رحيما صبورا شكورا لا يوجب المماثلة ولا لكونه سميعا بصيرا عالما قادرا حيا فاعلا اه . ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ) أخرج مسلم من حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول ذلك في سجوده قاله العراقي . قلت : قال مسلم ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو أسامة هو حماد ابن أسامة ، عن عبد اللّه بن عمر ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : فقدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان ، وهو يقول : « اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . وأخرجه الإمام أحمد عن أبي أسامة . قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الإذكار ، وفي السند لطيفة وهي رواية صحابي عن صحابي أبو هريرة عن عائشة ( وليس المعنى أني أعجز عن التعبير عما أدركت ، بل هو اعتراف بالقصور عن إدراك كنه جلاله ) وقال المصنف في المقصد الأسنى : ولم يرد به أنه عرف منه ما لا يطاوعه لسانه في العبارة عنه ، بل معناه أني لا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك وإنما أنت المحيط بها وحدك ، فإذا لا يحيط مخلوق من ملاحظة حقيقة ذاته إلا بالحيرة والدهشة ، وأما اتساع المعرفة فإنما يكون في معرفة أسمائه وصفاته اه .