تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
يكون ذلك فهما على التحقيق . والمخالفة بين علم اللّه تعالى وقدرته وعلم الخلق وقدرتهم أكثر من المخالفة بين لذة الجماع والأكل . وبالجملة ؛ فلا يدرك الإنسان إلّا نفسه وصفات نفسه مما هي حاضرة له في الحال أو مما كانت له من قبل ، ثم بالمقايسة إليه يفهم ذلك لغيره ، ثم قد يصدق بأن بينهما تفاوتا في الشرف والكمال ، فليس في قوّة
شرح
يدركه ) كالسكر أو العسل مثلا ، ( ولا يكون ذلك فهما على التحقيق ) كما ينبغي ، فإن اللذة التي تحصل من الجماع خلاف اللذة التي تحصل من استعمال السكر مثلا ( والمخالفة بين علم اللّه وقدرته وعلم الخلق وقدرتهم أكثر من المخالفة بين لذة الجماع والأكل ) وهذا لا يستراب فيه . وقال المصنف في المقصد الأسنى ، فإن قلت : لو كان لنا صبي أو عنين ما السبيل إلى معرفته لذة الوقاع وإدراك حقيقته ؟ قلنا : ههنا سبيلان . أحدهما : أن نصفه لك حتى تعرفه والآخر تصبر حتى تظهر فيك غريزة الشهوة ثم تباشر الوقاع حتى تظهر فيك لذته فتعرفه ، وهذا السبيل الثاني هو السبيل المحقق المفضي إلى حقيقة المعرفة ، فأما الأول فلا يفضي إلا إلى توهم الشيء بما لا يشبهه إذ غايتنا أن نمثل لذة الوقاع عنده بشيء من اللذات التي يدركها العنين كلذة الطعام الحلو مثلا ، فنقول له : أما تعرف أن السكر لذيذ فلا تجد عند تناوله حالة طيبة وتحس في نفسك راحة ؟ قال : نعم . قلنا : الجماع أيضا كذلك افترى أن هذا يفهم حقيقة لذة الجماع كما هي حتى ينزل في معرفتها منزلة من ذاق تلك اللذة وأدركها هيهات هيهات وإنما غاية هذا الوصف إيهام وتشبيه ومشاركة في الاسم لكن يقطع التشبيه بأن يقال : ليس كمثله شيء فهو حي لا كالإحياء ، وقادر لا كالقادرين كما يقال : الوقاع لذيذ كالسكر ، ولكن تلك اللذة لا تشبه هذه البتة ، ولكن تشاركها في الاسم وكان إذا عرفنا أن اللّه تعالى حي عالم قدير . عالم فلم نعرف أولا إلا بأنفسنا إذ الأصم لا يتصور أن يفهم معنى قولنا : أن اللّه سميع ، ولا الأكمه معنى قولنا : إن اللّه بصير ، وكذلك إذا قال القائل : كيف يكون اللّه عالما بالأشياء فنقول له : كما تعلم أنت أشياء ، فلا يمكنه أن يفهم شيئا إلا إذا كان فيه ما يناسبه ، فيعلم أولا ما هو متصف به ، ثم يعلم غيره بالمناسبة إليه فإذا كان اللّه تعالى وصف وخاصية ليس فينا ما يناسبه ويشاركه ولو في الاسم لم يتصور فهمه البتة ، فما عرف أحد إلا نفسه ، ثم قايس بين صفات اللّه تعالى وبين صفات نفسه وتتعلى صفات اللّه وتتقدس عن أن تشبه صفاتنا . ( وبالجملة ؛ فلا يدرك الإنسان إلا نفسه وصفات نفسه مما هي حاضرة له في الحال ) موجودة لديه ( أو مما كانت له من قبل ) فيتذكرها ( ثم بالمناسبة إليه يفهم ذلك لغيره ) مقايسة ( ثم ) أنه ( قد يصدق ) في نفسه ( بأن بينهما تفاوتا ) وتمييزا ( في الشرف والكمال ) والعلو ، ( فليس في قوة البشر إلا أن يثبت للّه تعالى ما هو ثابت لنفسه من الفعل والعلم