كنهه . ولا تظنن أن ذلك لم يكن مكشوفا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن من لم يعرف الروح فكأنه لم يعرف نفسه ، ومن لم يعرف نفسه فكيف يعرف ربه سبحانه ؟ ولا يبعد أن يكون ذلك مكشوفا لبعض الأولياء والعلماء وإن لم يكونوا أنبياء ولكنهم يتأدبون بآداب الشرع فيسكتون عما سكت عنه ، بل في صفات اللّه عز وجل من الخفايا ما تقصر أفهام الجماهير عن دركه ، ولم يذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منها إلا الظواهر للأفهام من العلم والقدرة وغيرهما حتى فهمها الخلق بنوع مناسبة توهموها إلى علمهم وقدرتهم ، إذ كان لهم من الأوصاف ما يسمى علما وقدرة فيتوهمون ذلك بنوع مقايسة . ولو ذكر من صفاته ما ليس للخلق مما يناسبه بعض المناسبة شيء لم يفهموه ، بل لذة الجماع إذا ذكرت للصبي أو العنين لم يفهمها إلا بمناسبة إلى لذة المطعوم الذي يدركه ولا
شرح
تصور كنهه ) ، ولذلك اختلف فيه الاختلاف الكثير على ما تقدم بيانه وتفصيله في آخر كتاب العلم . ( ولا تظنن أن ذلك لم يكن مكشوفا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن من لم يعرف الروح ) الذي به قوام كل ذات ( فكأنه لم يعرف نفسه فكيف يعرف ربه ) وعليه يخرج قولهم : من عرف نفسه فقد عرف ربه ، ( ولا يبعد أن يكون ذلك مكشوفا ) أيضا ( لبعض الأولياء ) العارفين بما ألقى في روعهم بالنفث والإلهام ، بل ( والعلماء ) الراسخين ( وأن لم يكونوا أنبياء ولكنهم يتأدبون بآداب الشرع فيسكتون عما سكت عنه ) أي : من حيث أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أمسك عن الأخبار عن الروح وماهيته بإذن اللّه تعالى ووحيه ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم معدن العلم وينبوع الحكمة لا يسوغ لغيره الخوض فيه والإشارة إليه . لا جرم لما تقاضت النفس الإنسانية المتطلعة إلى الفضول المتشوفة إلى المعقول المتحركة بوضعها إلى كل ما أمرت بالسكوت فيه والمستورة بحرصها إلى كل تحقيق وكل تمويه ، وأطلقت عنان النظر في مسارح الفكر وخاضت غمرات ماهية الروح تاهت في التيه وتنوعت آراؤها فيه ، ولم يوجد الاختلاف بين أرباب النقل والعقل في شيء كالاختلاف في ماهية الروح ، ولو لزمت النفوس حدّها معترفة بعجزها كان ذلك أجدر بها وأولى ، ( بل في صفات اللّه تعالى من الخفايا ) أي الأسرار الخفية ( ما تقصر أفهام الجماهير ) أي كثير من الناس ( عن دركه ) ومعرفته ( ولم يذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منها إلا الظواهر للأفهام من لعلم والقدرة وغيرهما ) من الصفات ( حتى فهمها الخلق بنوع مناسبة توهموها إلى علمهم وقدرتهم إذ كان لهم من الأوصاف ما يسمى علما وقدرة فيتوهمون ذلك بنوع مقايسة .
ولو ذكر من صفاته ) عز وجل ( مما ليس للخلق مما يناسبه بعض المناسبة شيء لم يفهموه ) ولنفر الناس عن قبوله ولبادروا بالإنكار ، وقالوا : هذا عين المحال ووقعوا في التعطيل في حق الكافة إلا الأقلين ، وقد بعث صلّى اللّه عليه وسلّم داعيا للخلق إلى سعادة الآخرة ورحمة للعالمين ، فكيف ينطق بما فيه هلاك الأكثرين ؟ ( بل لذة الجماع إذا ذكرت للصبي ) لم يدركها ( أو العنين ) هو الذي لا يقدر على إتيان النساء أو لا يشتهيهن ( لم يفهمها إلا بمناسبة لذة المطعوم الذي