تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
. . . . . . . . . .
شرح
يكن من الأسئلة المرسومة فهو متعلق منها بما فرع من الكلام فيه آنفا وناظر إليه إذا ما أدى افشاؤه إلى بطلان النبوة والأحكام فهو كفر . والجواب أن الذي قاله رحمه اللّه وإن كان مستعجما في الظاهر فهو قريب المسلك بادي الصحة للمتأمل الذي يعرف مصادر أغراضهم ومسالك أقوالهم ، وسر الألوهية الذي بمعرفته يستحق النبوة من وصل إلى اللّه باليقين الذي لولاه لم يكن نبيا يخلو إما أن يكون انكشافه من اللّه تعالى مما يطلع على القلوب من الأنوار التي كانت غائبة عنها بأن كانت القلوب ضعيفة طرأ عليها من الدهش والإصطلام والحيرة والتيه ما يبهر العقول ويفقد الإحساس ويقطع عن الدنيا وما فيها وذلك لضعفه ، ومن انتهى إلى هذه الحالة فتبطل النبوة في حقه أن يعرفها أو يعقل ما جاء من قبلها إذ قد شغله عنها ما هو أعظم لديه منها ، وربما كان ذلك سبب موته لعجزه عن حمل ما يطرأ عليه ، كما حكي أن شابا من سالكي طريق الآخرة عرض عليه أبو يزيد ولم يره من قبل ، فلما نظر إليه الشاب مات لساعته فقيل له في ذلك ، فقال : كان في صدره أمر لم تنكشف له حقيقته فلما رآني انكشف له ، وكان في مقام الضعفاء من المريدين فلم يطق حمله فمات به ، وإما أن يكون انكشافه من عالم به على جهة الخبر عنه فتبطل النبوة في حق المخبر حيث نهى عن الإفشاء فأفشى وأمر أن لا يتحدث فلم يفعل فخرج بهذه المعصية عن طاعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيها ، فلهذا قيل في ذلك بطلت النبوة في حقه باخباره . فإن قلت : فلم لا تكفروه على هذا الوجه إذا بطلت النبوة في حقه باخباره ؟ قلنا : لم يبطل في حقه جميعها وإنما بطل في حقه منها ما خالف الأمر الثابت من قبلها ، ويعد مقولة من الكلم إغلاء وتغليظا لحق الإفشاء . وقد سبق الكلام عليه في معنى إفشاء سر الربوبية ، وأما سر النبوة الذي أوجب بطلان العلم لمن رزقها أو رزق معرفتها على الجملة إذ النبوة لا يعرفها بالحقيقة إلا نبي ، فإن انكشف ذلك لقلب أحد بطل العلم في حقه باعتبار المحبة له بالأمر المتوجه عليه بطلبه والبحث عنه والتفكر ، فيكون كالنبي إذا سئل عن شيء أو وقعت له واقعة لم يحتج إلى النظر فيها ولا إلى البحث عنها ، بل ينتظر ما عوّد من كشف الحقائق بأخبار ملك أو ضرب مثل يفهم إياه ، أو اطلاع على اللوح المحفوظ ، أو القاء في روع فيعود ذلك أصلا في العلم ونسخا له ومعنى يقيس عليه غيره ، وإما أن يكون كشفه بخبر ممن رزق علم ذلك كان بطلان العلم في حق المخبر إذا أفشاه لغير أهله وأهداه لمن لا يستحقه ، كما روي أن عيسى عليه السّلام قال : لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير وإنما أراد أن لا يباح العلم غير أهله ، وقد جاء : لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تضعوها عند غير أهلها فتظلموها . وأما سر العلم الذي يوجب كشفه بطلان الأحكام ، فإن كان كشفه من اللّه تعالى لقلوب ضعيفة بطلت الأحكام في حقها لما تطلع عليه في ذلك السر من معرفة مآل الأشياء ومواقف الخلق وكشف أسرار العباد ، وما بطن من المقدور فمن عرف نفسه مثلا أنه من أهل الجنة لم يصل ولم يصم ولم يتعب نفسه في خير ، وكذلك لو انكشف له أنه من أهل النار كمل إنهماكه فلا يحتاج إلى تعب زائد ولا نصب مكابد ، فلو عرف كل واحد عاقبته ومآله بطلت الأحكام الجارية عليه وإن كان كشفها من مخبر استروح الضعيف