تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
عليه . وإن ما نقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما من مناظرة الخوارج ، وما نقل عن علي رضي اللّه عنه من المناظرة في القدر وغيره كان من الكلام الجلي الظاهر وفي محل الحاجة ، وذلك محمود في كل حال . نعم قد تختلف الأعصار في كثرة الحاجة وقلتها فلا يبعد أن يختلف الحكم لذلك ، فهذا حكم العقيدة التي تعبد الخلق بها وحكم طريق النضال عنها وحفظها ، فأما إزالة الشبهة وكشف الحقائق ومعرفة الأشياء على ما هي عليه وإدراك الأسرار التي يترجمها ظاهر ألفاظ هذه العقيدة فلا مفتاح له إلا المجاهدة وقمع الشهوات والإقبال بالكلية على اللّه تعالى ، وملازمة الفكر الصافي عن شوائب المجادلات وهي رحمة من اللّه عز وجل تفيض على من يتعرض لنفحاتها بقدر الرزق وبحسب التعرض وبحسب قبول المحل وطهارة القلب ، وذلك البحر الذي لا يدرك غوره ولا يبلغ ساحله .
شرح
الخائض فيما لا يفتقر إليه من غوامض المتفلسفين وإلا فلا يتصور من شريف تلك الحضرات وقوع المنع فيما هو أصل الواجبات وأساس المشروعات ، ( وإن ما نقل عن ابن عباس رضي اللّه عنه من مناظرة الخوارج ) في المسائل الأربعة . ( وما نقل عن علي رضي اللّه عنه من المناظرة في القدر ) مع رجل من الشام ( وغيره كان من الكلام الجلي ) الواضح ( الظاهر ) الذي لا يحتاج إلى فتح باب جدال ( وفي محل الحاجة ) وقدر الحاجة ، ( وذلك ) لا ريب فيه أنه ( محمود في كل حال ) غير مذموم عند الرجال ( نعم قد تختلف الأعصار ) والأزمان ( في كثرة الحاجة ) إليه ( وقلتها فلا يبعد أن يختلف الحكم لذلك ) ولأجل ذلك ما خاض فيه الأولون إلا قليلا لعدم حدوث البدع في زمانهم فلم يحتاجوا إلى ابطالها وافحام منتحلها ، ( فهذا حكم العقيدة التي تعبد الخلق بها ) وكلفوا بمعرفتها ( وحكم طريقه النضال ) والمدافعة ( عنها وحفظها ) في الصدور ، ( فأما إزالة الشبهة ) الخفية عن القلب ( وكشف أسرار الحقائق ) الإلهية ( ومعرفة الأشياء على ما هي عليه ) باليقين التام ، ( وإدراك الأسرار ) الباطنة ( التي يترجمها ) ويبينها ( ظاهر ألفاظ هذه العقيدة ) ومنطوقها ( فلا مفتاح له إلا المجاهدة ) المشار إليها في قوله عز وجل :وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[ العنكبوت : 69 ] ( و ) في معنى المجاهدة ( قمع الشهوات ) النفسانية ( والإقبال بالكلية على اللّه تعالى ) بحيث لا يخطر في خاطره خاطر لسواه ، ( وملازمة الفكر الصافي عن شوائب المجادلات ) والمخاصمات ( وهي ) أي تلك الحالة الحاصلة من هذه الأمور ( رحمة من اللّه عز وجل ) ونعمة ( تفيض على من يتعرض لنفحاتها ) لما ورد تعرضوا لنفحات اللّه فإن للّه نفحات ( بقدر الرزق ) الذي قدر له من الأزل ( وبحسب قبول المحل ) وانفساحه ( وطهارة القلب ) واتساعه لقبول تلك النفحات الواردات ، ( وذلك البحر ) العجاج ( الذي لا يدرك غوره ) ومنتهاه ( ولا يبلغ ساحله ) أي طرفه .