( الباب الأوّل ) : في فضل العلم والتعليم وشواهده من النقل والعقل .
شرح
البقاء هو الملكة ، فاطلق لفظ العلم على كل منهما إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجاز مشهور ، وقد يطلق على مجموع المسائل والمبادئ التصورية والمبادئ التصديقية والموضوعات ، وقد تطلق أسماء العلوم على مفهوم كلي إجمالي يفصل في تعريفه ، فإن فصل نفسه كان حدا رسميا ، وإن بين لازمه كان رسما اسميا ، وأما حده الحقيقي فإنما هو بتصوّر مسائله أو بتصور التصديقات المتعلقة بها فإن حقيقة كل علم مسائل ذلك العلم ، أو التصديقات بها ، وأما المبادئ وآنية الموضوعات فإنما عدت جزأ منها لشدة احتياجها إليها ، ثم إن الظاهر أن العلم المصدر به هنا هو الجامع بين علمي المكاشفة والمعاملة ، بل المستجمع بين علمي الشريعة والحقيقة المؤدي إلى مرتبة الطريقة ، وأما التعليم والأعلام فهما واحد إلا أن الاستعمال خص الإعلام باخبار سريع ، والتعليم بما يكون فيه تكرير وتكثير يحصل منه أثر في نفس المتعلم . وقال بعضهم : التعليم تنبيه النفس لتصوير المعاني ، والتعلم تنبه النفس لتصور ذلك وربما استعمل في معنى الإعلام إذا كان فيه تكثر نحو قوله تعالى :( أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ )[ الحجرات : 16 ] وقوله تعالى :( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها )[ البقرة : 31 ] فتعليمه الأسماء هو أن جعل له قوة بها نطق ووضع أسماء الأشياء ، وذلك بالقائه في روعه ، وكتعليمه الحيوانات كل واحد فعلا يتعاطاه وصوتا يتحراه قاله السمين .
وقد أجمع العلماء على فضل التعليم والتعلم من أفواه الشيوخ إلا من كان من علي بن رضوان الطبيب المصري ، فإنه صنف كتابا في إثبات أن التعلم من الكتب أوفق من المعلمين ، وكان رئيس الأطباء للحاكم بمصر ، ولم يكن له معلم في صناعة الطب ينسب إليه وهو كلام لا يعبأ به ولا يلتفت إليه . قرأت في الوافي بالوفيات للصلاح الصفدي إن ابن بطلان وغيره من أهل عصره ومن بعدهم قد ردوا عليه هذا القول وبينوه وشرحوه ، وذكروا له العلل التي من أجلها صار التعلم من أفواه الرجال أفضل من التعلم من الصحف إذا كان قبولهما واحدا .
الأولى : منها وصول المعاني من النسيب إلى النسيب خلاف وصولها من غير النسيب ، والنسيب الناطق افهم للتعليم وهو المعلم وغير النسيب له جماد وهو الكتاب .
الثانية : النفس العلامة علامة بالعقل وصدور العقل عنها يقال له التعليم والتعليم والتعلم من المضاف ، وكل ما هو للشيء بالطبع أخص مما ليس هو بالطبع والنفس المتعلمة علامة بالقوة ، وقبول العلم فيها يقال له تعلم والمضافان معا بالطبع ، فالتعليم من المعلم أخص بالمتعلم من الكتاب .
الثالثة : المتعلم إذا استعجم عليه ما يفهمه المعلم من لفظه نقله إلى لفظ آخر ، والكتاب لا ينقل من لفظ إلى لفظ ، فالفهم من المعلم أصلح للمتعلم من الكتاب ، وكل ما هو بهذه الصفة فهو في إيصال العلم أصلح للمتعلم .
الرابعة : موضوعه اللفظ واللفظ على ثلاثة أضرب قريب من العقل وهو الذي صاغه العقل مثالا لما عنده من المعاني ، ومتوسط وهو المتلفظ به بالصوت وهو مثال العقل وبعيد وهو المثبت في الكتاب ، وهو مثال ما خرج باللفظ ، فالكتاب مثال مثال مثال المعاني التي في العقل ، والمثال لا