تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
وقال اللّه تعالى :
( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ )
شرح
استعمل في معان مختلفة ، فإما أن يكون من باب الاشتراك أو الحقيقة والمجاز وكلاهما مقول به ، والإستدلال على ذلك في غير هذا ، فشهادة اللّه بذلك اعلامه وبيانه وحكمه وشهادة الملائكة ومن معهم إقرارهم بذلك ، وقد بينها بعضهم بعبارة أخرى ، فقال : شهادة اللّه بوحدانيته هي إيجاد ما يدل على وحدانيته في العالم وفي نفوسنا . قال بعض الحكماء : إن اللّه تعالى ما شهد لنفسه كأن شهادته أن نطق خلقه بالشهادة له ، وأما شهادة الملائكة بذلك فهي إظهارهم افعالا يؤمرون بها ، وأما شهادة أولى العلم فهي اطلاعهم على تلك الحكم وإقرارهم بذلك ، وإنما خص أولي العلم لأنهم هم المعتبرون وشهادتهم هي المعتبرة ، وأما الجهال فمبعدون عنها ، وعلى ذلك نبه بقوله تعالى :( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ )[ فاطر : 28 ] وهؤلاء هم المعنيون بقوله والصديقين والشهداء والصالحين . ( فانظر كيف بدأ سبحانه بنفسه ) فقال :( شَهِدَ اللَّهُ )( وثنى بالملائكة ) أي ذكرهم ثانيا . ( وثلث بأهل العلم ) فقال : وأولوا العلم . ( وناهيك بهذا شرفا وإجلالا ونبلا ) أي لكفايته كأنه ينهاك عن طلب غيره استشهدهم على أجل مشهود عليه وهو توحيده . قال ابن القيم : وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه . أحدها : استشهادهم دون غيرهم من البشر ، والثاني : اقتران شهادتهم بشهادته ، والثالث ، اقترانها بشهادة ملائكته ، والرابع : أن هذا من تزكيتهم وتعديلهم ، فإن اللّه لا يستشهد من خلقه إلا العدول ، والخامس ، أنه وصفهم بكونهم أولي العلم ، وهذا يدل على اختصاصهم به ، وأنهم أهله وأصحابه ليس بمستعار لهم . والسادس : أنه سبحانه استشهد بنفسه وهو أجل شاهد ، ثم بخيار خلقه وهم الملائكة والعلماء من عباده ، ويكفي بهذا فضلا وشرفا . والسابع : أنه استشهد بهم على أجلّ مشهود به وأعظمه ، وهو شهادة أن لا إله إلا هو ، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم ، والثامن : أنه سبحانه جعل شهادتهم حجة على المنكرين فهم بمنزلة أدلته وآياته وبراهينه الدالة على توحيده . والتاسع : أنه سبحانه أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة الصادرة من ملائكته ومنهم ولم يعطف شهادتهم بفعل آخر غير شهادته ، وهذا يدل على شدة ارتباط شهادتهم بشهادته ، فكأنه سبحانه شهد على نفسه بالتوحيد على ألسنتهم وأنطقهم بهذه الشهادة فكان هو الشاهد بها لنفسه إقامة وانطاقا وتعليما وهم الشاهدون بها له اقرارا واعترافا وتصديقا وإيمانا . والعاشر : أنه سبحانه جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بهذه الشهادة ، فإذا أدوها ، فقد أدوا الحق المشهود به ، فثبت الحق المشهود به ، فوجب على الخلق الإقرار به ، وكان في ذلك غاية سعادتهم في معاشهم ومعادهم ، وكل من ناله هدى بشهادتهم وأقر بهذا الحق بسبب شهادتهم وأقر لهذا فلهم الأجر مثل أجره ، وهذا فضل عظيم لا يدرك قدره إلا اللّه ، وكذلك كل من شهد بها عن شهادتهم فلهم من الأجر مثل أجره أيضا ، فهذه عشرة أوجه في هذه الآية ، ولحظ إلى ذلك الشيخ الأكبر قدس سره فقال .سائلي عن عقيدتي أحسن اللّه ظنه * علم اللّه أنها شهد اللّه أنه( وقال اللّه تعالى ) :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ )