[ المجادلة : 11 ] ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام . وقال عز وجل :
( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )
[ الزمر : 9 ] ، وقال تعالى :
( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ )
[ فاطر : 28 ] .
شرح
( لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا )( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ )( وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )[ المجادلة : 11 ] تنبيه على تفاوت منازل العلوم ، وتفاوت أربابها ورفعة درجات أهل العلم والإيمان ، وقد أخبر اللّه سبحانه في كتابه برفعة الدرجات في أربعة مواضع .
أحدها : هذا : والثاني قوله تعالى :( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ )[ الأنفال :
4 ] والثالث : قوله( دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً )[ النساء : 96 ] والرابع : قوله( فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى )[ طه : 75 ] فهذه أربعة مواضع في ثلاثة : منها الرفعة بالدرجات لأهل الإيمان الذي هو العلم النافع والعمل الصالح ، والرابع الرفعة بالجهاد فعادت رفعة الدرجات كلها إلى العلم والجهاد اللذين بهما قوام الدين ( قال ) عبد اللّه ( بن عباس رضي اللّه عنهما ) في تفسير هذه الآية ( للعلماء درجات فوق درجات المؤمنين بسبعمائة درجة ) ولفظ القوت . وقال ابن عباس في قوله تعالى :( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ )الآية قال : درجات العلماء فوق درجات الذين امنوا بسبعمائة درجة ( ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام ) اه والدرجة : هي نحو المنزلة ، لكن يقال للمنزلة درجة إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيطة ، كدرجة السطح والسلم ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة وهي المراد هنا . وروي للأنبياء على العلماء فضل درجة ، وللعلماء على الشهداء فضل درجتين ( وقال تعالى( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ). [ الزمر : 9 ] قال البيضاوي : نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيها باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم ، وقيل : تقرير للأول على سبيل التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون اه .
قال الشهاب في حاشيته قوله وقيل تقرير للأول عطف على ما قبله بحسب المعنى إذ التقدير :
والذين يعلمون والذين لا يعلمون هم القانتون وغيرهم ، فيتحدان بحسب المعنى أو المراد بالثاني غير الأول ، وإنما ذكر على طريق التشبيه كأنه قيل لا يستوي القانت وغيره كما لا يستوي العالم والجاهل ، فيكون ذكره على سبيل التمثيل ففيه تأكيد من وجه آخر . ( وقال تعالى :( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ )[ فاطر : 28 ] إن اللّه عزيز غفور الخشية أشد الخوف ، وقيل خوف يشوبه تعظيم المخوف منه ، وأكثر ما يكون ذلك من علم ما يخشى منه ، ولذلك خص العلماء في هذه الآية أي : إنما يخافه من عباده العلماء الذين علموا قدرته وسلطانه ، فمن كان أعلم كان أخشى للّه ، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية : أي من علم سلطانه وقدرته وهم العلماء ، وقال الزمخشري : المراد العلماء الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه فعظموه وقدروه وخشوه حق خشيته ومن ازداد به علما ازداد منه خوفا .على قدر علم المرء يعظم خوفه * فلا عالم إلا من اللّه خائف