وأما ربع المنجيات فأذكر فيه كل خلق محمود وخصلة مرغوب فيها من خصال المقربين والصديقين التي بها يتقرب العبد من رب العالمين ، وأذكر في كل خصلة حدّها وحقيقتها وسببها الذي به تجتلب ، وثمرتها التي منها تستفاد ، وعلامتها التي بها تتعرف ، وفضيلتها التي لأجلها فيها يرغب مع ما ورد فيها من شواهد الشرع والعقل ، ولقد صنف الناس في بعض هذه المعاني كتبا ، ولكن يتميز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور .
الأوّل : حل ما عقدوه وكشف ما أجملوه ، الثاني : ترتيب ما بددوه ونظم ما فرقوه .
الثالث : ايجاز ما طوّلوه وضبط ما قرروه . الرابع : حذف ما كرروه وإثبات ما
شرح
سورة ، ويقال : لكل كلام منه منفصل بفصل لفظي آية وعليه اعتبار آيات السورة التي تعد بها السورة عند الجمهور ( والأخبار ) جمع خبر وهو الحديث المنقول فهو مرادف للحديث عند الجمهور ( والآثار ) جمع أثر هو من اصطلاح الفقهاء فإنهم يستعملونه في كلام السلف والحديث في خبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي ذلك بحث طويل محله كتب أصول الحديث .
( وأما ربع المنجيات فاذكر فيه كل خلق محمود ) ورد بمدحه القرآن ( و ) كل ( خصلة ) حسنة ( مرغوب فيها ) مطلوب تحصيلها ( من ) جملة ( خصال المقربين ) عند اللّه في حظائر القدس ( والصديقين ) تخصيص بعد تعميم ( التي بها يتقرب العبد ) في سلوكه ( من رب العالمين ، وأذكر في كل خصلة حدها وحقيقتها وسببها الذي به تجتلب ، وثمرتها التي منها تستفاد ، وعلامتها التي بها تعرف ، وفضيلتها التي لأجلها يرغب فيها ) ذكر في هذا الربع في كل خصلة ستة أشياء : الحد ، والحقيقة ، والسبب ، والثمرة ، والعلامة ، والفضيلة وهي نظير الستة التي ذكرت في ربع المهلكات ، فقابل الثلاثة الأول بالثلاثة إلّا أن هناك سبب تولد وهنا سبب اجتلاب ، ولا يخفى ما بين التولد والاجتلاب من الفرق وقابل استفادة الثمرة بترك الآفة والعلامة بالعلامة والفضيلة بالمعالجة ، لأن تلك طرق التخلي ، وهذه أحوال التحلي ، ولكل مقام مقال ( مع ما ورد فيها من شواهد الشرع ) الكتاب ، والسّنة ، وأقوال الصحابة ومن بعدهم ( والعقل ) الأدلة العقلية وما قالته الحكماء الأولون ، ( ولقد صنف الناس ) ممن تقدم ( في ) تحقيق ( بعض هذه المعاني ) التي ذكرت ( كتبا ) كقوت القلوب ، والرعاية ، ومنازل السائرين ، والرسالة ، والتعرف وغيرها ، ( ولكن يتميز هذا الكتاب عنها ) عن تلك الكتب ( بخمسة أمور : الأوّل : حل ما عقدوه ) في كتبهم ( وكشف ما ) ستروه وتفصيل ما ( أجملوه .
الثاني : ترتيب ما بددوه ) أي فرقوه في مواضع شتى ( ونظم ما فرقوه ) أي جمعه ، والجملة الثانية في كل تفسير للأولى ( الثالث : ايجاز ما طوّلوه وضبط ما قرروه ) والمراد بضبط المقرر تفسيره وبيانه بحيث ينكشف على مطالعه ، وأما الإيجاز فهو أداء المقصود بأقل من العبارة المتعارفة ( الرابع : حذف ما كرروه ) أي أعادوه مرارا والتكرار يشبه العموم من حيث التعدد ، ويفارقه بأن العموم يتعدد فيه الحكم بتعدد افراد الشرط ، والتكرار يتعدد فيه الحكم بتعدد الصفة المتعلقة