تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
( الباعث الثاني ) أني رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الذي صلح عند من لا يخاف اللّه سبحانه وتعالى المتدرع به إلى المباهاة والاستظهار بجاهه ومنزلته في المنافسات ، وهو مرتب على أربعة أرباع والمتزيي بزي المحبوب محبوب فلم أبعد أن يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفا في استدراج القلوب ، ولهذا تلطف بعض من رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب فوضعه على هيئة تقويم النجوم موضوعا في الجداول والرقوم ، وسماه تقويم الصحة ليكون أنسهم بذلك الجنس جاذبا لهم إلى المطالعة والتلطف في اجتذاب القلوب إلى العلم الذي يفيد حياة الأبد أهم من التلطف في اجتذابها إلى الطب الذي لا يفيد إلا صحة الجسد ، فثمرة هذا العلم طب القلوب والأرواح المتوصل به إلى حياة تدوم أبد الآباد ، فأين منه الطب الذي يعالج به
شرح
( الباعث الثاني ) : في تأسيس هذا الكتاب على الترتيب المذكور ( أني رأيت الرغبة في طلبة العلم صادقة في الفقه الذي صلح عند من لا يخاف اللّه عز وجل للتدرع به ) أي التلبس ( إلى المباهاة ) أي المفاخرة ( والاستظهار ) أي الاستقرار ( بجاهه ومنزلته في المنافسات ) وهي مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على غيره ( وهو مرتب على أربعة أرباع والمتزيي بزي المحبوب محبوب ) أي المتشبه ، والزي بالكسر البزة الحسنة والآلات المجتمعة ( فلم أبعد ) في المرمى ( أن يكون تصوير ) هذا ( الكتاب ) أي تنزيله بهذه الصورة الموجودة ( بصورة ) تنزيل كتب ( الفقه تلطفا ) أي أخذا باللطافة ( في استدراج القلوب ) أي خديعتها والدخول إليها درجة درجة ، ( ولهذا تلطف بعض من رام ) أي طلب من الحكماء ( استمالة قلوب الرؤساء ) أي الأمراء ( إلى ) علم ( الطب ) لما رأى عدم اشتغالهم به ونزوع أنفسهم إلى علم النجوم ( فوضعه على هيئة تقويم النجوم ) التي يألفونها ( موضوعا في الجداول ) جمع جدول ، وهي الخطوط المتعارضة بعضها على بعض ( والرقوم ) جمع رقم والمراد به الحساب الهندي ، ( وسماه تقويم الصحة ) وكأنه عني به كتاب المختار لأبي الحسن بن عبدون المتطبب ، فإنه سماه كذلك ، وعلى نهجه بنى ابن جزلة ، وابن البيطار كتابيهما ( ليكون انسهم بذلك الجنس ) وميلهم له ( جاذبا ) مشوقا ( لهم إلى المطالعة ) فيه ( والتلطف في اجتذاب القلوب ) وصرفها ( إلى العلم الذي يفيد ) ويكسب ( حياة الأبد ) في الدنيا والآخرة ( أهم ) وأعني ( من التلطف في اجتذابها إلى ) علم ( الطب الذي لا يفيد إلا صحة الجسد ) فقط ولا ينظر إلى ما دون ذلك ، ( فثمرة هذا العلم ) الذي هو علم الآخرة ( طب القلوب ) لمعرفة عجائبها وما يطرأ عليها ( والأرواح ) بتزكيتها وتنميتها ( المتوصل به إلى ) حد ( حياة ) حقيقة ( تدوم ) وتستمر ( أبد الآباد فأين منه ) علم ( الطب الذي يعالج به الأجساد ) الظاهرية بمعرفة الأمزجة وتراكيب الأدوية ( وهي ) أي الأجساد ( معرضة