حتما مهما إحياء لعلوم الدين ، وكشفا عن مناهج الأئمة المتقدمين ، وأيضاحا لمناهي العلوم النافعة عند النبيين والسلف الصالحين .
وقد أسسته على أربعة أرباع وهي ربع العبادات ، وربع العادات ، وربع المهلكات ، وربع المنجيات . وصدرت الجملة بكتاب العلم لأنه غاية المهم لأكشف أوّلا عن العلم الذي تعبد اللّه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم الأعيان بطلبه ، إذ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « طلب العلم فريضة على كل مسلم » وأميز فيه العلم النافع من الضار إذ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « نعوذ باللّه
شرح
( هذا الكتاب ) يعني الاحياء ( حتما ) واجبا ( مهما ) يهتم له ويعتنى بشأنه ( إحياء لعلوم الدين وكشف المناهج ) أي سبل ( الأئمة المتقدمين ) ، وفي بعض النسخ المتقين ( وأيضاحا لمناهي العلوم النافعة عند النبيين والسلف الصالحين ) ، وهم اتباع الأنبياء عليهم السلام .
( وقد أسسته ) أي الكتاب ( على أربعة أرباع ) جمع ربع بضمتين أو بضم فسكون شبه الكتاب بقصر من جهة أن الملتجىء إليه من غوائل عدوّ الدين وعذاب النار ، فأضاف المشبه به إلى المشبه ، كما في لجين الماء ، والكتاب على كثرة ما فيه من الأحكام الشرعية يرجع إلى أربعة هي أركان ذلك القصر فذكرها في أثناء الكلام على الترتيب فقال : ( وهي ربع العبادات ) وقدمه على الذي يليه لشرفها ، ( وربع العادات ) لأنه إذا تحقق بالعبادات وأسرارها لم يستغن عما تعوّده مما هو لازم له من حيث قوام المعاش ، فناسب ذكر هذا الربع بعد ربع العبادات ، والعادة ما استمر الناس عليه وعادوا إليه مرة بعد أخرى ( و ) إذا اشتغل بها ربما استولى على هواه الأغفال عن رعونات النفس وآفاتها ، فناسب ذكر ( ربع المهلكات ) لما فيه من ذكر الآفات التي تهلك صاحبها وتلقيه في هوّة النار ، ( و ) إذا تحقق ذلك وتجنب عن تلك المسميات التي في وسمها ناسب ذكر ( ربع المنجيات ) لما فيه من ذكر أوصاف المخلصين التي من تحلى بها أنجى نفسه من العتاب والعقاب ، فتقديم ربع المهلكات على المنجيات من باب تقديم التخلي على التحلي ، فإن من لم يتخل عن رعوناته كيف يتحلى بحلية أهل الصدق والصفاء ، ثم أن تأسيس المصنف كتابه على هذه الأرباع من باب الحصر الاستقرائي . إذ الحصر هو إيراد الشيء على عدد معين ، والاستقراء هو الحكم على كلي لوجوده في أكثر جزئياته ، ولعدده الأربعة سر غريب سار في غالب الممكنات ، ( وصدرت الجملة بكتاب العلم ) في فضله وفضل تعليمه وتعلمه ، ( لأنه ) في الحقيقة ( غاية المهم ) أي غاية ما يقصده الإنسان ويهتم له وينتهي إليه ( لأكشف ) بذكري ذلك ( أوّلا عن العلم الذي تعبد اللّه ) عز وجل ( على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم الأعيان ) الأشخاص من أمته ( بطلبه إذ قال ) فيما روي من طرق عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه :
( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) ، وسيأتي ما يتعلق به قريبا ( وأميز فيه العلم النافع ) الذي ينفع صاحبه في الآخرة يصحبه معه ( من الضار ) الذي يضر بصاحبه فيكون سببا لهلاكه ( إذ قال صلّى اللّه عليه وسلّم ) فيما رواه ابن عبد البر من حديث جابر بسند حسن : ( نعوذ باللّه من علم لا