الأمر إدّ والخطب جد والآخرة مقبلة والدنيا مدبرة والأجل قريب والسفر بعيد والزاد طفيف والخطر عظيم والطريق سدّ ، وما سوى الخالص لوجه اللّه من العلم والعمل عند الناقد البصير ردّ وسلوك طريق الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب ومكدّ : فأدلة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان واستغواهم الطغيان وأصبح كل
شرح
في الكل ، وجم الغفيرة وجماء الغفيرة الثلاثة ذكرها الصاغاني ، والجماء الغفيرة وجماء غفيرة وبجماء الغفير والغفيرة إذا جاءوا جميعا شريفهم وو ضيعهم ، ولم يحك سيبويه إلا الجماء الغفير قال : وهو من الأحوال التي دخلها الألف واللام وهو نادر ، وقال : الغفير وصف لازم للجماء بمعنى ذلك لا تقول الجماء وتسكت ، فهو عنده اسم موضوع موضع المصدر وجعله غيره مصدرا ، وأجاز ابن الأنباري فيه الرفع على تقديرهم ، وقال الكسائي : العرب تنصب الجماء الغفير في التمام وترفعه في النقصان ، ( بل شمل الجماهير ) جمع جمهور بالضم على ما هو المعروف . وما حكى ابن التلمساني في شرح الشفاء ، وتبعه شيخ مشايخنا سيدي محمد الزرقاني من أن الفتح لغة فيه ، فقد ردّه الشهاب واستغربه ومعناه جل الناس ( من القصور ) أي التأخر ( عن ملاحظة ذروة هذا الأمر ) بكسر الذال المعجمة أي رأسه وملاكه ( و ) من ( الجهل بأن الأمر إدّ ) بالكسر أي عظيم أو فظيع أو منكر ( والخطب ) هو العظيم من الأمور ( جد ) ضد الهزل . أي : فينبغي أن يجتهد له .
وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن أمية قال : كان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة ويصوم حتى يخضر جسده ويصفر ، فكان علقمة يقول : لم تعذب هذا الجسد ؟ فكان الأسود يقول : إن الأمر جد فجدّوا . ( والآخرة مقبلة ) لا محيد عنها . ( والدنيا مدبرة ) لا محالة ، ( والأجل ) المضروب ( قريب ) جدا ، ( والسفر ) إلى الآخرة ( بعيد ) لكثرة عقباتها ، ( والزاد ) المحمول لأجله ( طفيف ) أي : يسير من الطفافة اسم لما لا يعتد به ، وفي نسخة ضعيف بالضاد المعجمة أي قليل ، ( والخطر عظيم والطريق سد ) أي مسدود ، ( وما سوى الخالص لوجه اللّه ) سبحانه ( من العلم والعمل عند الناقد البصير ردّ ) أي : مردود أي لا يقبل من العلوم والأعمال عند اللّه تعالى إلا ما شابها الاخلاص وحسن اليقين ، ( وسلوك طريق الآخرة ) باستعمال علومها ( مع كثرة الغوائل ) أي : المهالك جمع غائلة ( من غير دليل ) هو العلم النافع ، ( ولا رفيق ) هو العمل الصالح ( متعب ومكد ) عطف تفسير لمتعب ، ( فأدلة الطريق ) جمع دليل أي أدلة طرق الحق ( هم العلماء ) باللّه خاصة ( الذين هم ) فيما رواه ابن النجار في تاريخه ، عن أنس رضي اللّه عنه رفعه ( ورثة الأنبياء ) . وسيأتي الكلام عليه ، ( وقد شغر ) كنصر أي خلا من شغرت الأرض شغورا إذ خلت من الناس ولم يبق بها أحد يحميها ويضبطها فهي شاغرة ( عنهم الزمان ) بموتهم ، ( ولم يبق إلا المترسمون ) المتشبهون برسومهم ، ( وقد استحوذ ) أي ساق مستوليا ( على أكثرهم الشيطان ) من حذا الإبل يحذوها إذا ساقها سوقا عنيفا . قال النحويون : استحوذ خرج على أصله ، فمن قال حاذ يحوذ لم يقل إلا استحاذ ،