فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا ، فقد أصبح من بين الخلق مطويا صار نسيا منسيا .
ولما كان هذا ثلما في الدين ملما وخطبا مدلهما ، رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب
شرح
الصالح ) وهم من سلفك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل . ومنه قول طفيل الغنوي يرثي قومه :مضوا سلفا قصر السبيل عليهم * وصرف المنايا بالرجال تقلبأراد أنهم تقدمونا ، والمراد هنا الصدر الأوّل من التابعين وأتباعهم والجمع الأسلاف ( مما سماه اللّه سبحانه ) وتعالى ( في كتابه ) العزيز ( فقها ) في قوله :( لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ )[ الأنعام :
65 ] ( وحكمه ) في قوله :( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً )[ البقرة : 269 ] ( وعلما ) في قوله :( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ )[ آل عمران : 7 ] ( وضياء ) في قوله :( وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ )[ الأنبياء : 48 ] ( ونورا ) في قوله :( قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ )[ المائدة : 15 ] . وقوله :( فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ )[ الزمر : 22 ] ( وهداية ) في قوله :( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى )[ البقرة : 120 ] ( ورشدا ) في قوله :( لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )[ البقرة : 186 ] .
أما الفقه ، فهو أخص من مطلق العلم ، والحكمة معرفة الموجودات وفعل الخيرات ، وهذا هو الذي وصف به لقمان ، ثم الحكمة الإلهية هي العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه والعمل بمقتضاها ، والحكمة المنطوق بها هي علوم الشريعة والطريقة ، والسكوت عنها هي أسرار الحقيقة التي إذا اطلع عليها علماء الرسوم والعوام تضرهم أو تهلكهم ، والعلم معرفة الشيء على ما هو عليه ، والضياء أخص من النور ، والنور هو الضوء المنتشر وهو ضربان . دنيوي وأخروي ، ثم الدنيوي ضربان معقول بعين البصيرة كنور العقل ، ومحسوس بعين البصر كنور الشمس والقمر ، وتخصيص الشمس بالضوء ، والقمر بالنور من حيث أن الضوء نور قوي ، والهداية سلوك طريق توصل إلى المطلوب ، ويراد بها تارة الرشد وتارة البيان وتارة الدعاء وتارة الدلالة ، والرشد يستعمل استعمال الهداية وقد يراد به الاستقامة ، وسيأتي زيادة إيضاح لكل ما ذكرناه في الباب الرابع . ( فقد أصبح من بين الخلق مطويا ) ذكره لعدم ميلهم إلى تحصيله ، ( وصار نسيا منسيا ) أي شيئا تافها لا يؤبه له مما حقه أن ينسى ويترك لقلة مبالاتهم به ، والنسي فعل بمعنى مفعول والمنسي مبالغة فيه لم يكفه أن وصف تلك الأحوال بكونها تافهة حتى بالغ بوصفها لأن النسي يقال لما لا اعتداد به ، وان لم ينس .
( ولما كان هذا ) الذي ذكرت ( ثلما ) أي خللا ( في الدين ملما ) أي مقاربا داخلا ( وخطبا ) أي أمرا عظيما ( مدلهما ) أي مظلما كثيفا شبه الخطب بالليل في إبهامه ، ثم أثبت له ما يناسبه من الاظلام وكثافة السواد ، ( ورأيت الاشتغال بتحرير ) وفي بعض النسخ بتجريد