تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
واحد بعاجل حظه مشغوفا ، فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا حتى ظل علم الدين مندرسا ، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا ، ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهارش الطغام ، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام ، أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام ، إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام وشبكة للحطام . فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه اللّه سبحانه في كتابه :
شرح
ومن قال أحوذ فأخرجه على الأصل قال استحوذ ، ( واستغواهم ) أي أضلهم ( الطغيان ) وهو مجاوزة الحد في كل شيء وغلب في تزايد العصيان قال السمين . ( وأصبح كل واحد ) منهم ( بعاجل حظه ) الدنيوي ( مشغوفا ) أي أصاب حبه شغاف قلبه وهو وسطه قاله أبو علي الفارسي ، أو باطنه قاله الحسن ، ( فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا ) هذا غاية النكير والاستقباح لما هم عليه ، فإن كانت الرؤية اعتقادية فالأمر أعظم ( حتى ظل ) أي صار ( علم الدين ) هو بالتحريك ما وضع علامة للاهتداء به ( مندرسا ) قد عفت آثاره ، ( ومنار الهدى ) هو كالعلم يهتدى به . قال امرؤ القيس :على لاحب لا يهتدى لمناره * إذا ساقه العود النباطي جرجرا( في أقطار الأرض ) أطرافها ( منطمسا ) قد خفيت أنواره ، ( ولقد خيلوا ) أي أوهموا وأدخلوا في مخيلاتهم ( إلى الخلق أن لا علم ) من حيث هو هو ( إلا فتوى حكومة ) هو ما يكتب في أجوبة المسائل في الواقعات والنوازل من الحلال والحرام والإباحة والمنع والجمع الفتاوى بكسر الواو وفتحها ( تستعين به القضاة ) والحكام ( على فصل الخصام ) أي المخاصمة ( عند تهارش ) هو الإفساد بين الناس وتحريش بعضهم على بعض . ( الطغام ) بالفتح والغين معجمة هم الأغبياء والرذال ، ( أو جدل ) هو القياس المؤلف من المشهورات أو المسلمات ، والغرض منه إلزام الخصم وإفهام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان . ( يتدرع ) أي يتلبس ( به طالب المباهاة ) أي المفاخرة ( إلى الغلبة ) في إلزام الخصم ، ( والإفحام ) أي الإسكات ، ( أو سجع ) أي كلام مقفى ( مزخرف ) أي مزين ( يتوصل به الواعظ إلى استدراج ) أي : خديعة ( العوام ) . روي عن أبي الهيثم يقال امتنع فلان عن كذا وكذا حتى أتاه فلان فاستدرجه أي خدعه حتى حمله على أن درج في ذلك . ( إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة ) من الخصال ( مصيدة للحرام ) هي كمعيشة ما يصاد به ، وهو من بنات الياء المعتلة ، والجمع المصايد بلا همز كمعايش ، ( وشبكة ) محركة شركة الصياد التي يصيد بها في البر ، ومنهم من خصه بمصيدة الماء ( للحطام ) هو المال الرذل والخبيث والحرام ودقاق التبر . ( فأما علم طريق الآخرة ) الذي هو النافع للعبد ، ( وما درج ) سلك ( عليه السلف