تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
يسيرا عن ملازمة الرسم إلى العمل بمقتضى العلم طمعا في نيل ما تعبده اللّه تعالى به من تزكية النفس وإصلاح القلب ، وتداركا لبعض ما فرط من إضاعة العمر يأسا من تمام التلافي والجبر وانحيازا عن غمار من قال فيهم صاحب الشرع صلوات اللّه عليه وسلامه : « أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه سبحانه بعلمه » ولعمري أنه لا سبب لإصرارك على النكير إلا الداء الذي عم الجم الغفير بل شمل الجماهير من القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر والجهل بأن
شرح
الآخرة . ( بمقتضى العلم ) الذي أوتيه وانكشف له عنه الغطاء ( طمعا في نيل ) ادراك ( ما تعبده اللّه تعالى به ) أي ألزمه له عبادة ( من تزكية النفس ) أي تنميتها وتطهيرها من رعوناتها ، ( وإصلاح القلب ) بتخليته عما سوى الحق ، ( وتداركا ) أي تلافيا ( لبعض ما فرط ) أي سبق ( من إضاعة العمر ) فيما لا يجدي نفعا ( يأسا ) وهو قطع الرجاء ( من تمام التلافي ) أي التدارك ، ( والجبر ) وفي بعض النسخ في الحيرة وفي بعضها والحير بلفظ الجمع ، ( وانحيازا ) أي انضماما ( عن غمار ) بكسر الغين المعجمة جمع غمرة بالفتح هو مزدحم الناس ( من قال فيهم ) أي في حقهم ( صاحب الشرع صلوات اللّه عليه وسلامه ) فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان ، والطبراني في الصغير ، وابن عدي في الكامل بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي اللّه عنه : ( أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه ) . أي بأن لم يعمل به لأن عصيانه عن علم فهو أعظم جرما وأقبح إثما من عصاه من غير علم ، ولهذا كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار لكونهم جحدوا بعد العلم بالحق قاله المناوي . وقيل : معناه لم يوفق للعمل به ، ومن جملة عمله نفعه غيره إن احتاج إلى علمه ، ثم إن لفظ الحديث عند المذكورين فيما رأيته لم ينفعه علمه ، وقد ضعف هذا الحديث المنذري وغيره . وقال الخطيب في كتاب اقتضاء العلم العمل قال سهل بن مزاحم : الأمر أضيق على العالم من التسعير ، مع أن الجاهل لا يعذر بجهالته ، لكن العالم أشد عذابا إذا ترك ما علم فلم يعمل به . وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي كبشه السلولي قال : سمعت أبا الدرداء رضي اللّه عنه يقول : إن من شر الناس عند اللّه منزلة يوم القيامة عالما لا ينتفع بعلمه ، وفيه أيضا من طريق إبراهيم بن الأشعث ، حدثنا سفيان قال : كان يقال أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة . رجل كان له عمل فجاء غيره يوم القيامة بأفضل عملا منه ، ورجل كان له مال فلم يتصدق منه فورثه غيره فتصدق منه ، ورجل عالم لم ينتفع بعلمه فعلم غيره فانتفع به ، وسيأتي للمصنف عن أبي الدرداء : ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات ، ثم إن من قوله : فلقد حل عن لساني إلى قوله جلية الحق سجعتان متوازيتان ، ومن بعده استرسال في الكلام من غير تقييد على روي . ( ولعمري ) أقسم بعيشه وبقائه وحياته ودوامه ، والعمر بالضم لغة فيه ، ولكن خص القسم بالمفتوحة . ( أنه لا سبب لإصرارك ) أي : تماديك ولزومك ( على النكير ) مصدر بمعنى الانكار ، ( إلا الداء الذي عم الجم الغفير ) يقال : جاءوا جما غفيرا وجم الغفير بالإضافة وجماء الغفير والجماء الغفير وجماء غفيرا ممدود