رابعا أيها العاذل المتغالي في العذل من بين زمرة الجاحدين المسرف في التقريع والانكار من بين طبقات المنكرين الغافلين ، فلقد حل عن لساني عقدة الصمت وطوّقني عهدة
شرح
فيه أربع إضافات ، وفيه براعة الاستهلال ( وانتدب ) أي أسارع يقال انتدب له إذا أجابه بسرعة ، ومنه حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه : انتدب اللّه لمن خرج في سبيله إلخ ، أي سارع بثوابه وحسن جزائه ، أو أجابه إلى غفرانه ، أو أوجب تفضلا أن ينجز له ذلك . نقله ابن الأثير . ( لقطع تعجبك رابعا أيها العاذل ) أي اللائم وقد عذله إذا لامه والاسم العذل بالتحريك . وقال ابن الأعرابي :
العذل الاحراق فكان اللائم يحرق بعذله قلب المعذول ( المتغالي في العذل ) أي المتجاوز عن الحد ( من بين زمرة ) طائفة ( الجاحدين ) المنكرين للحق ( المسرف ) المبعد في مجاوزة الحد ( في التقريع ) التعنيف والتوبيخ والعذل ، وقيل : هو الإيجاع باللوم ، وقيل : هو النصح بين الملأ ( و ) على المعنى الأخير يكون عطف ( الإنكار ) عليه من باب عطف العام على الخاص ( من بين طبقات المنكرين الغافلين ) ثم من قوله : أحمد اللّه إلى هنا خمس سجعات . الأولى متعلقة باللّه تعالى ، والثانية متعلقة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والثلاثة بعدهما متعلقات بنفسه . الأولى منها في الابتهال إلى اللّه تعالى وطلب الخيرة منه وحسن المعونة والاثنتان في تبكيت الخصم المعاند ، وكل واحدة من الثلاثة الأول أشرف مما بعدها ، وأشار لذلك بالترتيب والسجع توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد . وفي الجمهرة هو موالاة الكلام على رويّ واحد ، كقولهم في صفة سجستان : ماؤها وشل ولصها بطل وتمرها دقل إن كثر الجيش بها جاعوا وإن قلوا ضاعوا نقله الليث ، وهو على أقسام مطرف ومرصع ومتواز ، فالمطرف ما اتفقت فاصلتاه في حرف السجع لا في الوزن كالرمم والأمم ، والمرصع ما وافق جميع ما في الفقرة الثانية أو أكثره بالأولى ، والمتوازي ما روعي في الكلمتين الوزن وحرف السجع كالقلم والنسم ، فتأمل . وهنا على المصنف مؤاخذتان .
الأولى : أفرد الصلاة عن السلام وهو مكروه في مذهبه صرح به غير واحد منهم الإمام النووي . والجواب : أن المصنف ممن لا يوافقهم على كراهة الأفراد مطلقا على أن بعضهم حمل الكراهة هنا على خلاف الأولى لعدم النهي المخصوص ، وأجاب بعضهم فقال : إنه أراد بالصلاة ما يشمل السلام أيضا ، كأن يراد مطلق الاكرام فيكون من عموم المجاز أو الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وهذا قد رده بعض المحققين فقال : هذا لا يظهر إلا إذا لم تكن الصلاة والسلام من الألفاظ المتعبد بها بخصوصها ، أما إذا كان منها وهو الأظهر فلا ، وعبارة النووي في الإذكار إذا صليت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فاجمع بين الصلاة والسلام ولا تقتصر على أحدهما ، فلا تقل صلى اللّه عليه ولا عليه السلام فقط اه . والصحيح ما ذكره ابن الجزري في مفتاح الحصن أن الجمع بين الصلاة والسلام هو الأولى ، ولو اقتصر على أحدهما جاز من غير كراهة ، وقد جرى عليه جماعة من السلف والخلف . منهم : الإمام مسلم في أوّل صحيحه وهلم جرا ، حتى الإمام ولي اللّه الشاطبي في قصيدتيه الرائية واللامية . وأما قول النووي ، وقد نص العلماء على كراهة الاقتصار على الصلاة من غير السلام فليس كذلك ، فإني لا أعلم أحدا نص على ذلك من العلماء ولا من غيرهم اه .