تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 784

مساهمون:

ص٧٨٤
شرح
عاد إلى حضرته ، وإن ضيع ثغره وأهمل رعيته ذم أثره إذا عاد إليه ، كما جاء في الحديث « إن اللّه تعالى يقول للكافر يوم القيامة يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم ترد الضالة ولم تجبر الكسير اليوم أنتقم منك » . وأيضا مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه ، فمتى كان الفارس حاذقا وفرسه مروضا وكلبه معلما فقمين بإدراك حاجته من الصيد ، ومتى كان أخرق وفرسه جموحا أو حرونا وكلبه عقورا ، فلا فرسه ينبعث تحته منقادا أو لا كلبه يستكين معه مطيعا ، فهو قمن أن يعطب ، فضلا عن أن يدرك ما طلب . وهذه الأمثلة ما عدا الثاني ستأتي للمصنف في شرح عجائب القلب وللإنسان مع هواه ثلاثة أحوال . الأولى : أن يغلبه الهوى فيهلكه ، الثانية : أن يغالبه فيقهرها مرة وتقهره مرة . الثالثة : أن يغلب هواه ككثير من الأنبياء وبعض صفوة الأولياء . وهذا المعنى قصد بقوله تعالى :( وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى )[ النازعات : 40 ] الآية . وقصد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « ما من أحد إلا وله شيطان وأن اللّه قد أعانني على شيطاني حتى ملكته » فإن الشيطان يتسلط على الإنسان بحسب وجود الهوى فيه .

[ السادسة : في الفرق بين ما يسومه العقل وما يسومه الهوى ]

السادسة : في الفرق بين ما يسومه العقل وما يسومه الهوى . اعلم أن من شأن العقل أن يرى ويختار أبدا الأفضل والأصلح في العواقب ، وإن كان على النفس في المبدأ مؤنة ومشقة والهوى على الضد من ذلك ، فإنه يؤثر ما يدفع به المؤذى في الوقت ، وإن كان يعقبه مضرة من غير نظر منه في العواقب كالصبي الرمد الذي يؤثر أكل الحلوات واللعب في الشمس على أكل الهليلج والحجامة ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم « حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » وأيضا فإن العقل يرى صاحبه ما له وما عليه ، والهوى يريه ما له دون ما عليه ويعمي عليه ما يعقبه من المكروه ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « حبك للشيء يعمي ويصم » ولذلك ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه أبدا في الأشياء التي هي له لا عليه ، ويظن أنه هوى لا عقل ، ويلزمه أن يستقصي النظر فيه قبل إمضاء العزيمة ، وحتى : قيل : إذا عرض لك أمران فلم تدر أيهما أصوب ، فعليك بما تكرهه لا بما تهواه ، فأكثر الخير في الكراهة ، قال اللّه تعالى :( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ )[ البقرة : 216 ] وقال :( فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً )[ النساء : 19 ] وأيضا فإن ما يرى العقل يتقوى عليه إذا فزع فيه إلى اللّه عز وجل بالاستخارة ، وتساعد عليه العقول الصحيحة إذا فزع إليها بالاستشارة وتنشرح له الصدور إذا استعين فيه بالعبادة وما يشير به الهوى ، فبالضد من ذلك . وأيضا فإن العقل يرى ما يرى بحجة وعذر ، والهوى يرى ما يرى بشهوة وميل ، وربما تشبه الهوى بالعقل فيتعلق بشبهة يرى بحجة وعذر ، والهوى يرى ما يرى بشهوة وميل ، وربما تشبه الهوى بالعقل فيتعلق بشبهة مزخرفة ومعذرة مموهة ، كالعاشق إذا سئل عن عشقه ، والمتناول لطعام رديء إذا سئل عن فعله . قال بعض العلماء : إذا مال العقل نحو مؤلم جميل ، والهوى نحو ملل قبيح فتنازعا بحسب عرضيهما وتحاكما إلى القوة المدبرة بادر نور اللّه إلى نصرة العقل ، ووساوس الشيطان إلى نصرة الهوى . كما قال اللّه تعالى :( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ