إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 782
26 ] الآية . وقال : ( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ) إلى قوله : ( لِأُولِي النُّهى ) [ طه : 54 ] والحجر أصله من الحجر أي المنع وهو اسم لما يلزم الإنسان من خطر الشرع والدخول في أحكامه وعلى ذلك قوله تعالى : ( هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ) [ الفجر : 5 ] وسمي العقل حجا من حجاه أي قطعه سمي بذلك لكونه للإنسان قاطعا عما يقبح : وأما اللب فهو الذي خلص من عوارض الشبه وترشح لاستفادة الحقائق من دون المفزع إلى الحواس ، ولذلك علق اللّه في كل موضع ذكره بحقائق المعقولات دون الأمور المحسوسة ، ومن أسمائه القلب لأنه لما كان مبدأ تأثير الروحانيات والفضائل سمي به ، ولذلك عظم اللّه أمره لاختصاصه بما قد أوجد اللّه لأجله وقال تعالى : ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) [ ص : 37 ] فنبه أن القلب إنما يكون في الحقيقة قلبا إذا كان متخصصا بما أوجد لأجله وما أوجد لأجله هو المعارف الحقيقية ، ولما كان أشرف المعارف هو ما يتخصص به القلب قال تعالى : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ ) [ الشعراء : 193 ، 194 ] فخصه بالذكر . ومن أسمائه النور والروح وقد تقدم ذكرهما والماء في قوله تعالى : ( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ) على قول بعض المفسرين . [ الثانية : أشار المصنف إلى فضائل العقل الكثيرة ] الثانية : أشار المصنف إلى فضائل العقل الكثيرة فما يقول في حديث « أكثر أهل الجنة البله » وهو جمع أبله من لا عقل له ، فكيف يكون من لا عقل له من أكثر أهل الجنة ؛ والجواب عنه بوجوه . الأول : أن المراد بالبله الجاهلون بأمر الدنيا العالمون بأمر الآخرة ، الثاني : أن من عبد اللّه للجنة فهو أبله في جنب من يعبده لكونه ربا مالكا . الثالث : المراد بهم أهل المعاصي الذين عفا اللّه عنهم ، وأما العقلاء المطيعون فهم أهل الدرجات العلى . [ لعقل المكتسب ضربان : أحدهما التجارب الدنيوية ، والثاني المعارف الإلهية ، ] الثالثة : العقل المكتسب ضربان : أحدهما التجارب الدنيوية ، والثاني المعارف الإلهية ، وطريقاهما متنافيان . ومن تصور اختلاف الطريقين لم تعترض له الشبهة التي اعترضت لقوم ، وقالوا : لو أن ما هنا حق لما جهله الذين لا يلحق شأوهم في تدبير الدنيا ودقائق الصناعات ووضعوا الحكم والسياسات ، وذلك أنه كما من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما لا يوجد إلا في طريق المغرب ، أو يظفر سالك طريق المغرب بما لا يوجد إلا في طريق المشرق ، كذلك من المحال أن يظفر سالك طريق معارف الدنيا بمعارف طريق الآخرة ، ولا يكاد يجمع بين معرفة طريق الدنيا والآخرة معا على التحقيق والتصديق إلا من وشحهم اللّه لتهذيب الناس في أمور معاشهم ومعادهم كالأنبياء جميعا وبعض الحكماء . [ الرابعة : المعقول اختلف فيه هل هو مصدر أو صفة ] الرابعة : المعقول اختلف فيه هل هو مصدر أو صفة ، فالأول ظاهر سياق اللغويين يقولون : عقل الرجل عقلا ومعقولا ، ويقولون ذهب طولا وعدم معقولا وما لفلان منقول ولا معقول وأنشد ابن بري : فقد أفادت لهم حلماء موعظة * لمن يكون له إرب ، ومعقول