إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 783
وأنكر سيبويه ذلك وقال : هو صفة ، وكان يقول أن المصدر لا يأتي على بناء مفعول البتة ويتأول المعقول فيقول : كأنه عقل له شيء أي حبس عليه عقله وأيد وسدد . قال : ويستغنى بهذا عن الفعل الذي يكون مصدرا كما في الصحاح والعباب . [ الخامسة : في بيان منازعة الهوى للعقل ] الخامسة : في بيان منازعة الهوى للعقل . اعلم أن مثل الإنسان في بدنه كمثل وال في بلدة وقواه وجوارحه بمنزلة صناع وعملة والعقل له كمشير ناصح عالم والشهوة فيه كعبد سوء جالب للميرة والحمية له كصاحب شرطة ، والعبد الجالب للميرة خبيث ماكر يتمثل للوالي بصورة الناصح وفي نصحه دبيب العقرب ويعارض الوزير في تدبيره ولا يغفل ساعة عن منازعته ومعارضته ، وكما أن الوالي في مملكته متى استشار في تدبيراته وزيره دون هذا العبد الخبيث وأدب صاحب شرطته وجعله مؤتمرا لوزيره وسلطة على هذا العبد وتباعه حتى يكون هذا العبد مسوسا لا سائسا ومدبرا لا مدبرا استقام أمر بلده . كذا النفس متى استعانت بالعقل في التدبير وأدبت الحمية وسلطتها على الشهوة وقوتها استتب أمرها ، وإلّا فسدت ، ولهذا حذرنا اللّه تعالى غاية الحذر من اتباع الهوى : فقال : ( وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) [ ص : 26 ] وقال في ذم من اتبعه : ( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ) [ ص : 26 ] وقال تعالى : ( أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ) [ الأعراف : 176 ] وقال في مدح من عصاه : ( وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ) [ النازعات : 40 ، 41 ] والعقل وإن كان أشرف القوى وبه صار الإنسان خليفة اللّه في العالم فليس دأبه إلا الإشارة إلى الصواب كطبيب يشير إلى المريض بما يرى فيه برأه فإن قبل منه وإلا سكت عنه ولذلك جعل له الحمية لتكون نائبة عنه في المدافعة ولهذا لا تتبين فضيلة العقل لمن لا حمية له وبهذا النظر قيل : المهين من لا سفيه له . وقال الشاعر : تعدو الذئاب على من لا كلاب له * وتتقي مربض المستأسد الحامي وأيضا مثل النفس في البدن مثل المجاهد بعث إلى ثغر لكي يرعى أحواله وعقله خليفة مولاه ضم إليه ليسدده ويرشده ويشهد له وعليه فيما يفعله إذا عاد إلى حضرة الملك ، وبدنه بمنزلة فرس دفع إليه ليركبه وشهوته كسائس حيث ضم إليه ليتفقد فرسه ولا قدر لهذا السائس عند المولى والقرآن بمنزلة كتاب أتاه من مولاه وقد ضمن كل ما يحتاج إليه عاجلا وآجلا والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم آتاه الكتاب وبين له ما يشكل عليه مما يقرؤه من الكتاب ويقبح أن ينسى هذا الولي مولاه ويهمل خليفته فلا يراجعه فيما يبرمه وما ينقضه ويصرف همه كله إلى تفقد فرسه وسائسه ويقيم سائس فرسه مقام خليفة ربه ومن وجه آخر ، إن الإنسان من حيثما جعله اللّه عالما صغيرا وجعل بدنه كمدينة والعقل كملك مدبر فيها وقواه من الفكرة والخيال والحواس كجنده وأعوانه والأعضاء كرعيته والشهوة كعدو ينازعه في مملكته ويسعى في إهلاك رعيته صار بدنه كرباط وثغر ونفسه كمقيم فيه مرابط ، فإن جاهد عدوه فهزمه فاسره وقهره على ما يجب وكما يجب جمد أثره إذا