تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 780

مساهمون:

ص٧٨٠
أن الناس نقلوا اسم العقل والمعقول إلى المجادلة والمناظرة بالمناقضات والالزامات وهو صنعة الكلام ، فلم يقدروا على أن يقرروا عندهم انكم أخطأتم في التسمية ، إذ كان ذلك لا ينمحي عن قلوبهم بعد تداول الألسنة به ورسوخه في القلوب ، فذموا العقل والمعقول وهو المسمى به عندهم ، فإما نور البصيرة الباطنة التي بها يعرف اللّه تعالى ويعرف صدق رسله فكيف يتصوّر ذمه وقد أثنى اللّه تعالى عليه ، وإن ذم فما الذي بعده يحمد ؟ فإن كان المحمود هو الشرع فبم علم صحة الشرع ، فإن علم بالعقل المذموم الذي لا يوثق به فيكون الشرع أيضا مذموما ولا يلتفت إلى من يقول : أنه يدرك بعين
شرح
في ذلك بالنقول فهل لذمهم إياه من سبب ؟ ( فاعلم أن السبب ) الباعث لذمهم ( فيه أن الناس نقلوا اسم العقل والمعقول إلى المجادلة والمناظرة بالمناقضات ) مع الخصوم ( والإلزامات ) عليهم ( وهو صنعة الكلام ) الذي يأتي بيان ذمه في الكتاب الذي يليه ، ( فلم يقدروا على أن يقرروا عندهم ) يثبتوا ( إنكم أخطأتم في التسمية ) هذه ( إذ كان ذلك لا ينمحي عن قلوبهم ) ولا يزول بوجه من الوجوه ( بعد تداول الألسنة ) وتلقى الخلف عن السلف ، ( فذموا العقل والمعقول وهو المسمى عندهم ) ، فهم يذمون غير مذمم ، ( فأما نور البصيرة الباطنة ) في القلب ( التي بها يعرف اللّه ويعرف صدق رسله ) عليهم السلام ، ( فكيف ) يكون مذموما أم كيف ( يتصور ذمه ، وقد أثنى اللّه تعالى عليه ) في عدة مواضع في كتابه العزيز فمن ذلك قوله تعالى :( وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ )[ العنكبوت : 43 ] ( وإن ذم ) أي أريد به إياه ( فما الذي يحمد ) في الدنيا ، ( فإن كان المحمود هو الشرع ) الذي جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( فبم علم صحة الشرع ؟ فإن ) قال : ( علم بالعقل المذموم الذي لا يوثق به ) ولا يعبأ ( فيكون الشرع أيضا مذموما ) ، فإن ما توقف عليه صحة شيء إذا كان واهيا فالمتوقف عليه نفسه واه . كذلك وقد عقد لذلك صاحب الذريعة بابا فقال : تعذر إدراك العلوم النبوية على من لم يتهذب في الأمور العقلية . أعلم أن المعقولات تجري مجرى الأدوية الجالبة للصحة ، والشرعيات تجري مجرى الأغذية الحافظة ، وكما أن الجسم متى كان مريضا لم ينتفع بالأغذية بل يستضر بها ، كذلك من كان مريض النفس لم ينتفع بسماع القرآن الذي هو موضوع الشرعيات ، بل صار ذلك ضارا مضرة الغذاء للمريض ، وأيضا فالجهل بالمعقولات جار مجرى ستر مرخى على البصر ، وغشاء على القلب ، ووقر في الأذن ، والقرآن لا يدرك خفياته إلا من كشف غطاؤه ورفع غشاؤه وأزيل وقره ، وأيضا فالمعقولات كالحياة التي بها الأبصار والإسماع ، والقرآن كالمدرك بالسمع والبصر ، وكما أنه من المحال أن يسمع ويبصر الميت قبل أن يجعل اللّه فيه الروح ويجعل له السمع والبصر ، كذلك من المحال أن يدرك من لم يحصل المعقولات حقائق الشرعيات اه . ( ولا يلتفت إلى من يقول أنه ) أي الشرع ( يدرك بعين اليقين ونور الإيمان ) وصفائه