درجات الوحي تستدعي منصب الوحي إذ لا يبعد أن يعرف الطبيب المريض درجات الصحة ، ويعلم العالم الفاسق درجات العدالة ، وإن كان خاليا عنها ، فالعلم شيء ووجود المعلوم شيء آخر ، فلا كل من عرف النبوّة والولاية كان نبيا ولا وليا ، ولا كل من عرف التقوى والورع ودقائقه كان تقيا ، وانقسام الناس إلى من يتنبه من نفسه ويفهم وإلى من لا يفهم إلا بتنبيه وتعليم وإلى من لا ينفعه التعليم أيضا ولا التنبيه كانقسام الأرض إلى ما يجتمع فيه الماء فيقوى فيتفجر بنفسه عيونا ، وإلى ما يحتاج إلى الحفر ليخرج إلى القنوات وإلى ما لا ينفع فيه الحفر وهو اليابس ، وذلك لاختلاف جواهر
شرح
وهو بالالهام كما قال تعالى :( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ )[ المائدة : 111 ]( وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى )[ القصص : 7 ] ووحيا للأنبياء وذلك تارة بواسطة وتارة بغير واسطة في النوم ، فمن الأول نزل به الروح الأمين على قلبك ومن الثاني أني أرى في المنام أني أذبحك . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « نوم الأنبياء وحي » ومن أصناف هذا الوحي ما يبدو في اليقظة فيسمع صوتا أو يرى ضوء ، ومنها ما يرى ملكا فيكلمه كما وقع في غار حراء ، ومنها ما يظهر الملك في أفق الملائكة ، ومنه حديث البخاري « زملوني زملوني » ، ومنها ما ينفث الملك في الروع ، وتقدم شاهده ومنها ما نزل جبريل به على قلبه ، ومنها ما يلقيه اللّه تعالى في القلب من غير واسطة جبريل ، كالذي ورد في الأحاديث القدسية ، ومنها ما يأتي به جبريل متمثلا في صورة إنسان كدحية والأعرابي ، ومنها ما يأتي به غيره من الملائكة كما جاء في بعض الأحاديث ، ومنها ما كان سرا بين اللّه وبين رسوله فلم يحدث به أحدا ، ومنها ما يحدث الناس ، وذلك على صنفين فمنه ما كان مأمورا بكتابته قرآنا ومنه ما لم يكن مأمورا بكتابته قرآنا ، فلم يكن من القرآن ، وقال الرافعي : واحتج بالحديث المتقدم الشافعي على أن من الوحي ما يتلى قرآنا ومنه غيره كما هنا وله نظائر ، فهذه درجات الوحي التي أشار المصنف إلى أنه من علوم المكاشفة . ( ولا تظنن أن معرفة درجات الوحي تستدعي منصب الوحي ) كلّا واللّه ، ( إذ لا يبعد أن يعرف الطبيب المريض درجات الصحة ) ومعرفة القوى التي باعتدالها تدرك الصحة ، ( و ) يعرف ( المعلم الفاسق درجات العدالة ) والتزكية ( وإن كان ) الفاسق ( خاليا عنها ) أي عن درجات العدالة لفسقه ، ( فالعلم شيء ووجود المعلوم شيء آخر ) ولا يلزم من وجود العلم بشيء وجود ذلك المعلوم ، ( ولا كل من عرف النبوة والولاية ) بدرجاتهما ومراتبهما ( كان نبيا ولا وليا ) وأنّى له ذلك ( ولا كل من عرف التقوى ) وحقيقته وشروطه وثمراته ، ( و ) عرف ( الورع ودقائقه كان تقيا ) ورعا ، ( وانقسام الناس إلى من يتنبه من نفسه ويفهم ) بنور من اللّه تعالى ، ( وإلى من لا يفهم إلا بتنبيه وتعليم ) وإرشاد ، ( وإلى من لا ينفعه التعليم أيضا ولا التنبيه كانقسام الأرض إلى ما يجتمع فيها الماء فيقوى فيتفجر بنفسه عيونا ) تجري على الأرض فتنتفع بها المزارع والمنابت وسائر الحيوانات ، ( وإلى ما يحتاج إلى الحفر ) بالآلات ( فيخرج في القنوات ) أي الجداول ،