خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
[ الكلام في بسملة ]
قال المصنف رحمه اللّه تعالى بعد قوله : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم أحمد اللّه تعالى ) .
اعلم أنهم ذكروا أن من الواجب على كل مصنف كتاب ثلاثة أشياء ، وهي البسملة ، والحمدلة ، والصلاة ، ومن الطرق الجائزة أربعة أشياء ، وهي مدح الفن ، وذكر الباعث ، وتسمية الكتاب ، وبيان كيفية الكتاب من التبويب والتفصيل ، فهي سبعة أشياء .
أما البسملة والحمدلة ، فإن كتاب اللّه مفتوح بهما ولقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر اللّه وببسم اللّه الرحمن الرحيم أقطع » . رواه الحافظ عبد القادر بن محمد الرهاوي في أربعينه ، وقوله عليه السلام : « كل كلام لا يبدأ فيه بحمد اللّه فهو أجذم » . رواه أبو داود والنسائي . وفي رواية ابن ماجة : « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع » . ورواه ابن حبان وأبو عوانة في صحيحيهما . وقال ابن الصلاح : هذا حديث حسن بل صحيح .
وأما الصلاة ؛ فلأن ذكره صلّى اللّه عليه وسلّم مقرون بذكره تعالى ، ولهذا قال مجاهد في تفسير قوله تعالى :
( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ )
[ الشرح : 4 ] لا أذكر إلا ذكرت ، ومعنى البسملة أي باستعانة المعبود بالحق الواجب الوجود المطلق المبدع للعالم . أصنف هذا الكتاب إجمالا ، وأؤلف بين كل باب وباب تفصيلا ، وفي تأخير المتعلق إيماء لإفادة الاختصاص ، وإشعار باستحقاق تقديم ذكر اسمه الخاص ، والابتداء بالبسملة حقيقي وبالحمدلة إضافي ، وكل حقيقي إضافي ولا عكس ، فبينهما عموم وخصوص مطلق ، إذ الحقيقي ما لم يسبق بشيء أصلا ، والإضافي ما تقدم أمام المقصود سبق بشيء أم لا ، ثم الحمد لغوي وعرفي ، فالأوّل هو الوصف بفضيلة على فضيلة على جهة التعظيم باللسان فقط ، والثاني فعل يشعر بتعظيم المنعم لكونه منعما هبه فعل اللسان أو الأركان أو الجنان ، فهو ينقسم إلى قولي وفعلي وحالي ، فالقولي حمد اللسان وثناؤه على الحق بما أثنى به على نفسه على لسان أنبيائه ورسله ، والفعلي الاتيان بالأعمال البدنية ابتغاء لوجه اللّه ، والحالي ما يكون بحسب الروح والقلب ، كاعتقاد الاتصاف بالكمالات العلمية والعملية والتخلق بالأخلاق الإلهية ، والشكر اللغوي فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب الانعام ، سواء كان ذكرا أو اعتقادا أو محبة بالجنان أو عملا وخدمة بالأركان ، والعرفي صرف العبد جميع ما أنعم اللّه عليه من السمع والبصر وغيرهما لما خلق له ، وآثر الجملة الانشائية على الخبرية لكونها لدلالتها على الحدوث والتجدد تقتضي الأثوبة والحسنات المنظور إليها في الأعمال . قال ابن الهمام في بعض رسائله : لو كان الحمد خبرا محضا لما لاق وحسن تكراره في مجلس واحد ، لأن من كرر خبرا واحدا في مجلس عد أحمق ناقص الغريزة ، وقد علم من السنّة الشريفة الترغيب في تكرير الحمد والتكبير وغيرهما من الكلمات الصالحات ، فيناسب ذلك كله الإنشاء لا الاخبار إذ في الإنشاء تجديد ومغايرات للكلمات يقتضي بحسبها تعدد الأثوبة والحسنات ، ولهذا نقل الشرع كثيرا من الكلمات اللغوية كالصلاة والزكاة وغير ذلك إلى