الغريزة ولولاه لما اختلفت الناس في فهم العلوم ، ولما انقسموا إلى بليد لا يفهم بالتفهيم إلا بعد تعب طويل من المعلم ، وإلى ذكي يفهم بأدنى رمز وإشارة وإلى كامل تنبعث من نفسه حقائق الأمور بدون التعليم ؟ كما قال تعالى :
( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ )
[ النور : 35 ] ، وذلك مثل الأنبياء عليهم السلام إذ يتضح لهم في بواطنهم أمور غامضة من غير تعلم وسماع ، ويعبر عن ذلك بالالهام ، وعن مثله عبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال : « إن روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت فإنك مفارقه وعش ما
شرح
إلى ) ثلاثة أقسام . ( بليد ) جامد الطبع غير فطن ( لا يفهم ) ما يلقى إليه ( بالتفهيم إلا بعد تعب طويل من التعليم ، وإلى ذكي ) يتوقد ذهنه ذكاء ( يفهم بأدنى رمز و ) أقرب ( إشارة ) من غير تعب في مراجعته ، ( وإلى كامل ) مهذب ( تنبعث من نفسه حقائق الأمور ) وتتفجر دقائقها ( دون التعليم ) وفي مثله قال اللّه تعالى :( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ[ النور : 35 ] وذلك مثل الأنبياء عليهم السلام إذ تتضح لهم في باطنهم ) المقدس ( أمور غامضة من غير تعلم وسماع ) من ملك وغيره ، وقال ابن عرفة : هذا مثل ضربه اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : يكاد منظره ، وإن لم يتل قرآنا وأنشد في المعنى لعبد اللّه بن رواحة :لو لم تكن فيه آيات مبينة * كانت بديهته تغنيك بالخير( ويعبر عن ذلك بالالهام ) وهو إلقاء الشيء في الروع بطريق الفيض ، ويختص بما كان من جهة اللّه تعالى ، أو من جهة الملأ الأعلى ، وقيل : هو ايقاع شيء في القلب يطمئن له الصدر يخص اللّه به بعض أصفيائه . ( وعن مثله عبّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال : « إن روح القدس » ) المراد به جبريل عليه السلام وقيل : هو اللّه تعالى ( نفث ) أي ألقى وهو مجاز من النفخ ، وقيل :
معناه أوحى إلى ذلك ( في روعي » ) أي نفسي ويعبر عن ذلك بلمة الملك أيضا . وبقية هذا الحديث أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها ، فأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية ، فإن اللّه تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته هكذا أخرجه أبو نعيم في الحلية ، عن أبي أمامة الباهلي . ورواه ابن أبي الدنيا والحاكم ، عن ابن مسعود . وقال البيهقي في الداخل : انه منقطع ، وسيأتي بيان الحديث حيث ذكره المصنف في الباب الأول من آداب الكسب والمعاش .
وأخرج الطبراني في الصغير والأوسط من طريق أهل البيت من رواية حسن بن الحسين بن زيد العلوي عن أبيه ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي عن علي بن الحسين ، عن الحسين بن علي ، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : قال لي جبريل عليه السلام :
« يا محمد : ( أحبب من أحببت فإنك مفارقة ) ورواية الطبراني من شئت بدل من أحببت ( وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزى به » ) وعند الطبراني ؛ فإنك ملاقيه