تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 775

مساهمون:

ص٧٧٥
نور الصبح ، فإن أوائله يخفى خفاء يشق إدراكه ثم يتدرج إلى الزيادة إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس ، وتفاوت نور البصيرة كتفاوت نور البصر والفرق مدرك بين الأعمش وبين حاد البصر ، بل سنة اللّه عز وجل جارية في جميع خلقه بالتدريج في الإيجاد حتى أن غريزة الشهوة لا تظهر في الصبي عند البلوغ دفعة وبغتة ، بل تظهر شيئا فشيئا على التدريج ، وكذلك جميع القوى والصفات ، ومن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة فكأنه منخلع عن ربقة العقل ، ومن ظن أن عقل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثل عقل آحاد السوادية وأجلاف البوادي فهو أخس في نفسه من آحاد السوادية ، وكيف ينكر تفاوت
شرح
النصارى ، والصحيح أنه رفع وهو ابن مائة وعشرين . وما ورد فيه غير ذلك ، فلا يصح كذا في تذكرة المجدولي . ( ومثاله نور الصبح ، فإن أوائله يخفى ) عن الأعين ( خفاء يشق إدراكه ثم يتدرج إلى الزيادة ) تدريجا ( إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس وتفاوت نور البصيرة كتفاوت نور البصر ) في القلة والكثرة والزيادة والنقص ، ( والفرق مدرك بين الأعمش ) الذي بعينه عمش وهو سيلان الدمع في أكثر الأوقات مع ضعف البصر ، ( وبين الحاد البصر ) السالم من العلل ، ( بل سنة اللّه جارية في جميع خلقه بالتدريج في الايجاد ) ، فمن ذلك ايجاد الإنسان في المراتب السبعة المشار إليها بقوله تعالى :( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ )[ المؤمنون : 12 - 14 ] ( حتى أن غريزة الشهوة لا تركب في الصبي عند البلوغ دفعة ) واحدة ( وبغتة ، بل تظهر شيئا فشيئا على التدريج ، وكذا جميع القوى والصفات ) منها قوة الغذاء ، وقوة الحس وقوة التخيل ، وقوة النزوع ، وقوة التفكر . فهذه خمس قوى ركبها اللّه تعالى في الإنسان وجعل المدركة خمسا : الحواس والخيال والتفكر والعقل والحفظ ، وجعل الحواس خمسا ظاهرية وخمسا باطنية ، وجعل للبدن خمس قوى وهي : الجاذبة والممسكة والهاضمة والدافعة ، وباعتدالها تكمل الصحة . وأما الصفات فمحمودة ومذمومة ولكل منها أقسام ، ( ومن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة ، فكأنه منخلع عن ربقة العقل ) لم يتحل بها ، ( ومن ظن أن عقل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثل ) عقل ( آحاد السوادية ) وهم أهل الأرياف ( أو أجلاف البوادي ) الذين يلازمون البادية ، ( فهو أخس في نفسه من آحاد السوادية ) . وأخرج أبو نعيم في الحلية من رواية الحرث بن أبي أسامة ، عن داود بن المحبر ، حدثنا عباد بن كثير عن أبي إدريس ، عن وهب بن منبه قال : قرأت أحدا وسبعين كتابا فوجدت في جميعها أن اللّه لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلا كحبة رمل من جميع رمال الدنيا ، وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أرجح الناس عقلا وأفضلهم رأيا ، ( وكيف ينكر تفاوت الغريزة ولولاه لما اختلف الناس في فهم العلوم ) الخفية المدرك ، ( ولما انقسموا