لقوة علمه بضرر المعاصي ، وأعني به العالم الحقيقي دون أرباب الطيالسة وأصحاب الهذيان ، فإن كان التفاوت من جهة الشهوة لم يرجع إلى تفاوت العقل ، وإن كان من جهة العلم فقد سمينا هذا الضرب من العلم عقلا أيضا ، فإنه يقوي غريزة العقل فيكون التفاوت فيما رجعت التسمية إليه ، وقد يكون بمجرد التفاوت في غريزة العقل ، فإنها إذا قويت كان قمعها للشهوة لا محالة أشد .
وأما القسم الثالث وهو علوم التجارب فتفاوت الناس فيها لا ينكر فإنهم يتفاوتون بكثرة الإصابة وسرعة الإدراك ويكون سببه إما تفاوتا في الغريزة وإما تفاوتا في الممارسة ، فأما الأول ، وهو الأصل أعني الغريزة فالتفاوت فيه لا سبيل إلى جحده ، فإنه مثل نور يشرق على النفس ويطلع صبحه ومبادئ اشراقه عند سنّ التمييز ثم لا يزال ينمو ويزداد نموا خفي التدريج إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة ، ومثاله
شرح
الحقيقي ) الذي علمه للّه ولأمر اللّه ( دون أرباب الطيالسة ) جمع طيلسان وهو كساء أسود مربع ، والمراد به علماء الدنيا والقضاة والمخالطون على الملوك والأمراء أصحاب السواري ، ( وأصحاب الهذيان ) محركة هو الكلام الكثير ، والمراد به أرباب الجدال والمناظرات ، ( فإن كان التفاوت من جهة الشهوة ) وهو القسم الأول ( لم يرجع إلى تفاوت العقل ، وإن كان ) سبب التفاوت ( من جهة العلم ) المعرف بغائلة المضرة وهو القسم الثاني ، ( فقد سمينا هذا الضرب من العلم عقلا فإنه يقوي غريزة العقل ) ويشدها ( فيكون التفاوت فيما رجعت التسمية إليه ، وقد يكون بمجرد التفاوت في غريزة العقل ، فإنها إذا قويت كان قمعها للشهوة لا محالة أشد ) وأكثر .
( وأما القسم الثالث وهو علوم التجارب فتفاوت الناس فيها لا ينكر فإنهم ) أي : أهل هذه العلوم المستفادة ( يتفاوتون ) تارة ( بكثرة الإصابة و ) تارة ( بسرعة الإدراك ويكون سببه إما تفاوت ) في ( أصل الغريزة وإما تفاوت في ) نفس ( الممارسة ) والتجربة ، ( وإما الأول وهو الأصل ) أي أصل هذه الأقسام ( أعني الغريزة فالتفاوت فيه لا سبيل إلى جحده ) وإنكاره ، ( فإنه نور يشرق على النفس ويطلع صبحه ومبادئ اشراقه عند بدو سن التمييز ) أي البلوغ ، ( ثم لا يزال ينمو ويزداد نموا خفي التدريج إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة ) هذا هو المشهور ، وقد ذكر صاحب القاموس تبعا لبعض الحكماء أن ابتداء وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال ينمو ويزيد إلى أن يكمل عند البلوغ ، فظاهره أن كماله يكون عند سن البلوغ وهو محل تأمل . وقد ورد في الحديث : « ما من نبي إلا نبىء بعد الأربعين » وقول ابن الجوزي : انه موضوع لأن عيسى عليه السلام رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، كما في حديث آخر فاشتراط الأربعين ليس بشرط مردود لكونه مستندا إلى زعم