تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 773

مساهمون:

ص٧٧٣
كون الجسم في مكانين وكون الشيء الواحد قديما حادثا . وكذا سائر النظائر وكل ما يدركه إدراكا محققا من غير شك . وأما الأقسام الثلاثة فالتفاوت يتطرق إليها . أما القسم الرابع ، وهو استيلاء القوّة على قمع الشهوات فلا يخفى تفاوت الناس فيه ، بل لا يخفى تفاوت أحوال الشخص الواحد فيه ، وهذا التفاوت يكون تارة لتفاوت الشهوة إذ قد يقدر العاقل على ترك بعض الشهوات دون بعض ، ولكن غير مقصور عليه ، فإن الشاب قد يعجز عن ترك الزنا ، وإذا كبر وتم عقله قدر عليه ، وشهوة الرياء والرئاسة تزداد قوّة بالكبر لا ضعفا ، وقد يكون سببه التفاوت في العلم المعرف لغائلة تلك الشهوة ، ولهذا يقدر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرة ، وقد لا يقدر من يساويه في العقل على ذلك إذا لم يكن طبيبا ، وإن كان يعتقد على الجملة فيه مضرة ، ولكن إذا كان علم الطبيب أتم كان خوفه أشد ، فيكون الخوف جندا للعقل وعدة له في قمع الشهوات وكسرها ، وكذلك يكون العالم أقدر على ترك المعاصي من الجاهل
شرح
مكانين ) مختلفين ، ( و ) استحالة ( كون الواحد قديما حادثا ) لمضادتهما ، ( وكذا سائر النظائر وكل ما يدركه العاقل إدراكا محققا من غير شك ) ، فهذا لا يتطرق إليه التفاوت ، ( وأما الأقسام الثلاثة فالتفاوت يتطرق إليها ) كما يأتي بيانه ، ( أما القسم الرابع وهو استيلاء القوة على قمع الشهوات ) وردعها ( فلا يخفى تفاوت الناس فيه ) بالقلة والكثرة حتى ترى واحدا كعشرة بل واحدا كمائة وعشرة أخرى هدر دون واحد ، ( بل لا يخفى تفاوت أحوال الشخص الواحد ) في نفسه ، ( وهذا التفاوت تارة يكون لتفاوت الشهوة ) في حد ذاتها ( إذ قد يقدر العاقل ) بقوة عقله ( على ترك بعض الشهوات دون بعض ) كأن يترك الشهوة الظاهرة ولا يقدر على ترك الشهوة الخفية ، ( ولكن غير مقصور عليه ، فإن الشاب قد يعجز عن ترك الزنا ) لشدة شبقه وثوران شهوته ، ( وإذا كبر وتم عقله قدر عليه ) وارتدع منه بمقتضى السن ( وشهوة الرياء ) والسمعة ( والرئاسة ) وما أشبهها ( تزداد قوة ) وتنمو ( بالكبر ) أي بالطعن في السن ( لا ضعفا ) ، لما ورد : يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان الحرص وطول الأمل ، ( وقد يكون سببه التفاوت في العلم المعرف ) المبين ( لغائلة تلك الشهوة ) ومضراتها ، ( ولهذا يقدر الطبيب ) الماهر العارف ( على الاحتماء عن بعض الأطعمة ) والأشربة ( المضرة ) المؤدية إلى الضرر ، ( وقد لا يقدر ) على ذلك ( من يساويه ) ويماثله ( في العقل . إذا لم يكن طبيبا ) لعدم معرفته بالخواص والطبائع ، ( وإن كان يعتقد على الجملة فيه مضرة ، ولكن إذا كان علم الطبيب أتم ) وأكثر ( كان خوفه أشد ) وأعظم ، ( فيكون الخوف جندا للعقل وعدة له في قمع الشهوات وكسرها ) . إذ لولا خوفه لما منعه عنها ، ( وكذلك يكون العالم ) العامل بعلمه ( أقدر على تزك المعاصي ) وكسر شهوتها عنه ( من العامي لقوة علمه بضرر المعاصي ) وما يترتب عليه منها . ( وأعني به العلم