تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 772

مساهمون:

ص٧٧٢
72 ] ، وهذه الأمور التي كشفت للأنبياء بعضها كان بالبصر وبعضها كان بالبصيرة ، وسمى الكل رؤية . وبالجملة ؛ من لم تكن بصيرته الباطنة ثاقبة لم يعلق به من الدين إلا قشوره وأمثلته دون لبابه وحقائقه ، فهذه أقسام ما ينطلق اسم العقل عليها . ( بيان تفاوت الناس في العقل ) : قد اختلف الناس في تفاوت العقل ولا معنى للاشتغال بنقل كلام من قل تحصيله ، بل الأولى والأهم المبادرة إلى التصريح بالحق . والحق الصريح فيه أن يقال أن التفاوت يتطرق إلى الأقسام الأربعة سوى القسم الثاني ، وهو العلم الضروري بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ، فإن من عرف أن الاثنين أكثر من الواحد عرف أيضا استحالة
شرح
[ الاسراء : 72 ] قذفهم بفقدان البصيرة تنبيها ان فقدانها اختياري إذ هو بتركهم استفادة العلم ، وأكثر فقدان البصر ضروري قال اللّه تعالى :( الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي )[ الكهف : 101 ] فلو لا أن العين أراد بها البصيرة لما قال تعالى( عَنْ ذِكْرِي )لأن الذكر لا يدرك بحاسة العين ، وقال ابن عباس لمن عيره بفقدان البصر : إنا نصاب بأبصارنا وأنتم تصابون في بصائركم . ( وهذه الأمور التي كشفت للأنبياء ) عليهم السلام ( بعضها كان بالبصر ، وبعضها كان بالبصيرة ، وسمى الكل رؤية ) كما في الآية المتقدمة . وكذا في قوله تعالى :( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ )[ فصلت : 53 ] لأن للنفوس القدسية في سيرهم وترقيهم إلى عالم الملكوت معارج على قدر تبدل صفاتها بالسير عن خصائصها ، وبحسب تلطف ذاتها بالتزكية عن أوصافها . ( وبالجملة ؛ من لم تكن بصيرته الباطنة ثاقبة ) أي متوقدة مضيئة ( لم يعلق به من الدين إلا قشوره وأمثلته ) أي رسومه الظاهرة ( دون لبابه وحقائقه ) ومحضه وخلاصته . ( وهذه حقائق ما ينطلق عليه اسم العقل ) . وفي أثناء ذلك الإشارة إلى ثمراته وما يتولد منه .

( بيان تفاوت الناس في العقل )

: اعلم أنه ( قد اختلف الناس في تفاوت العقل ) فمنهم من منعه مطلقا ، ومنهم من أثبته والمثبتون ، اختلفوا كذلك على أنحاء شتى هل يتطرق إلى بعض أقسامها أو كلها ، ( ولا ينبغي الاشتغال بنقل كلام من قل تحصيله ) ، فرمى عن قوس علم الظاهر من غير تأييد باطني ولا مشاهدة أمر يقيني ، فتحرير كلام مثله لا يجدي نفعا ، وإنما هو تسويد في بياض ، ( بل الأولى المبادرة ) أي المسارعة ( إلى التصريح بالحق ) والتبيين له ، ( والحق الصريح ) أي الخالص ( فيه أن التفاوت ) فيه ( يتطرق إلى الأقسام الأربعة ) منه ( سوى القسم الثاني ) من أقسامه ، ( وهو العلم الضروري بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ، فإن من عرف ) بعقله ( أن الاثنين أكثر من واحد عرف أيضا استحالة كون الجسم ) الواحد ( في