تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 771

مساهمون:

ص٧٧١
فيها التهافت ، ومثاله مثال الأعمى الذي يدخل دارا فيعثر فيها بالأواني المصفوفة في الدار فيقول : ما لهذه الأواني لا ترفع من الطريق وترد إلى مواضعها ، فيقال له : إنها في مواضعها ، وإنما الخلل في بصرك ، فكذلك خلل البصيرة يجري مجراه وأطم منه وأعظم إذ النفس كالفارس والبدن كالفرس وعمى الفارس أضر من عمى الفرس ولمشابهة بصيرة الباطن لبصيرة الظاهر . قال اللّه تعالى :
( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى )
[ النجم : 11 ] ، وقال تعالى :
( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
[ الأنعام : 75 ] الآية . وسمى ضده عمى فقال تعالى :
( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )
[ الحج : 46 ] . وقال تعالى :
( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا )
[ الإسراء :
شرح
فيه ( حتى ينظر إليها بعين الاستحقار ) والمذلة . ( ويعتقد فيها ) من عدم بصيرته ( التهافت ) والتناقض فيقدم على الجمع بينها بقوة علمه الظاهر ولم يستضىء من نور المشاهدة والمعرفة عقله فيقع في محظور عظيم ضرره على العامة أكثر من ضرر غيره ، ( ومثاله مثال الأعمى ) فاقد البصر ( الذي يدخل دارا ) عظيمة المبنى مصفوفة فيها صفوف الأمتعة في مواضعها ( فيعثر ) برجله ( فيها بالأواني المصفوفة ) من الخزف الصيني والزجاج وغيرها ، ( فيقول ) بلسانه الذي يعبره عن عقله القاصر : ( ما لهذه الأواني لا ترفع من الطرق . وترد إلى مواضعها ؛ فيقال له : هي موضوعة في مواضعها ) التي تليق بها ، ( وإنما الخلل في البصر ، وكذلك خلل البصيرة يجري مجراه ) أي مجرى خلل البصر ، بل ( وأطم منه ) أي أكثر ( وأعظم ) لأن بارتفاع البصيرة ارتفاع النفع بالبصر ( إذ النفس كالفارس والبدن كالفرس ) يتبعه حيث يريد . ( وعمى الفارس ) بنفسه ( أضر ) أي أشد ضررا ( من عمى الفرس ولمشابهة بصيرة الباطن لبصيرة الظاهر قال اللّه تعالى ) في كتابه العزيز في حق حبيبه صلّى اللّه عليه وسلّم :( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى )[ النجم : 11 ] . قال البيضاوي : أي ما رأى ببصره من صورة جبريل أو اللّه تعالى أي : ما كذب بصره ما حكاه له ، فإن الأمور القدسية تدرك أولا بالقلب ثم تنتقل منه إلى البصر ( وقال تعالى :( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )[ الأنعام : 75 ] وليكون من الموقنين ، واعلم أن النفوس القدسية إذا اطمأتت إلى اللّه تعالى تشعشعت بصيرتها كشعاع البصر ، وعند تعطيل الحواس بالنوم أو بالمراقبة ترجع النفس إلى عالم الملكوت . ولها عروج في العلويات بحسب قوتها في الترقي والسير في عالم الملكوت ، فيعلو شعاع بصيرتها إلى عالم الروحانيات كشعاع البصر في السماوات ، وقد أثبت اللّه تعالى للعقل رؤية في هاتين الآيتين في قوله :( أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ )[ الفرقان : 45 ] وأثبت له ابصارا في قوله :( وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ )[ الأعراف : 198 ] ( وسمي ضده عمى فقال تعالى :( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )[ الحج : 46 ] وقال تعالى :( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ))