تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 770

مساهمون:

ص٧٧٠
بِهِ )
[ المائدة : 47 ]
( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ )
[ القمر : 17 ] وتسمية هذا النمط تذكرا ليس ببعيد ، فكأن التذكر ضربان ، أحدهما : أن يذكر صورة كانت حاضرة الوجود في قلبه لكن غابت بعد الوجود . والآخر : أن يذكر صورة كانت مضمنة فيه بالفطرة . وهذه حقائق ظاهرة للناظر بنور البصيرة ثقيلة على من يستر وجه السماع والتقليد دون الكشف والعيان ، ولذلك تراه يتخبط في مثل هذه الآيات ، ويتعسف في تأويل التذكر وإقرار النفوس أنواعا من التعسفات ، ويتخايل إليه في الأخبار والآيات ضروب من المناقضات ، وربما يغلب ذلك عليه حتى ينظر إليها بعين الاستحقار ويعتقد
شرح
وقال تعالى :( وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ )[ ص : 29 ] أي العقول ، وقال تعالى :( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ )[ المائدة : 7 ] . وقال تعالى :( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ )[ القمر : 17 ] ، وغير ذلك من الآيات التي فيها الذكر والتذكر ، ( وتسمية هذا النمط ) أي النوع ( تذكرا ليس ببعيد ) لغة ( وكأن التذكر ضربان ) وتحقيق المقام أن التذكر فرع عن الذكر ، والذكر هو وجود الشيء في القلب . أو في اللسان ، وذلك أن الشيء له أربع درجات ، وجوده في ذاته ، ووجوده في قلب الإنسان ، ووجوده في لفظه ، ووجوده في كتابته ، فوجوده في ذاته هو سبب لوجوده في لسانه ولوجوده في كتابته ، ويقال للموجودين أي الوجود في القلب ، والوجود في اللسان الذكر ، ولا اعتداد بذكر اللسان ما لم يكن ذلك عن ذكر في القلب بل لا يكون ذلك ذكرا والذكر بالقلب ضربان : ( أحدهما : أن يذكر صورة كانت حاضرة الوجود في قلبه ) باستثباته لها ( لكن غابت ) عنه ( بعد الوجود ) وانمحت عنه بنسيان أو غفلة فيستعيدها ، وهذا هو في الحقيقة الذكر ، ( والآخر أن يكون ) التذكر ( عن صورة كانت مضمنة فيه بالفطرة ) المراد ثبات وجودها في القلب من غير نسيان أو غفلة ، وذكر اللّه تعالى على نحو الأول غير مرتضى عند الأولياء ، وإنما يحمد إذا كان على النوع الثاني ، ثم أن ذكر اللّه تارة يكون لعظمته فيتولد منه الإجلال والهيبة ، وتارة يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن ، وتارة لفضله فيتولد منه الرجاء ، وتارة لنعمه فيتولد منه الشكر ، وتارة لأفعاله الباهرة فيتولد منه العبرة ، ومن القسم الرابع قوله تعالى :( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ )( وهذه حقائق ) جليلة ( ظاهرة للناظر بنور البصيرة ) لا يمتري فيها ولا يتلعثم يدركها بأول وهلة ( ثقيلة على ) افهام ( من يستر وجه السماع والتقليد ) ، أي يكون التقليد والسماع من الأفواه والاقتصار عليه يكون رائجا عنده ، فمثله لا يدرك تلك الحقائق ( دون الكشف والعيان ) أي : المشاهدة وهو مقام اليقين ، ( ولذلك تراه ) أبدا ( يتخبط في مثل هذه الآيات ) أي يختلف كلامه فيها لعدم بصيرته ( ويتعسف ) أي يركب العسف والجور ( في تأويل التذكر ) والذكر ( وإقرار النفوس ) عند أخذ العهود ( أنواعا ) ضروبا ( من التعسفات ) الباطلة عند أهل الحق ( وتتخايل إليه في الاخبار ) النبوية ( والآيات ) الإلهية ( ضروب ) أنواع ( من المناقضات ) الباطلة ، ( وربما يغلب ذلك عليه ) فيصير طبعا مركوزا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 770 | مرتضى الزبيدي