تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 769

مساهمون:

ص٧٦٩
انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص إلى مقر وإلى جاحد ، ولذلك قال تعالى :
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ )
[ الزخرف : 87 ] ، معناه أن اعتبرت أحوالهم شهدت بذلك نفوسهم وبواطنهم
( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها )
[ الروم : 30 ] ، أي كل آدمي فطر على الإيمان باللّه عز وجل ، بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه أعني : أنها كالمضمنة فيها لقرب استعدادها للادراك ، ثم لما كان الإيمان مركوزا في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى قسمين : إلى من أعرض فنسي وهم الكفار ، وإلى من أجال خاطره فتذكر فكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكرها ، ولذلك قال عز وجل :
( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
[ البقرة : 221 ]
( وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ )
[ ص : 29 ]
( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ
شرح
والأشخاص ) على قسمين ، فمنهم من بقي على اقراره الأصلي من أول وهلة ، ومنهم من راجع اقراره فيما بعد بتوفيق من اللّه تعالى ، ومنهم من لم يقر مطلقا فالإقرار ثابت بنص الآية . ولكن لا بالألسنة ، وهذا الذي أورده المصنف أشار به إلى ثمرة العقل من معرفة اللّه الضرورية ، وغاية ما يبلغ إليه الإنسان من ذلك ، فأشرف ثمرة العقل معرفة اللّه سبحانه وتعالى وحسن طاعته والكف عن معصيته ، فمعرفة اللّه الضرورية مركوزة في النفس وهي معرفة كل أحد أنه مفعول ، وأن له فاعلا فعله ونقله من الأحوال المختلفة ، وإليه أشار بقوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ )الآية . فهذا القدر من المعرفة في نفس كل أحد ، وتنبيه الغافل عنه إذا تنبه عليه فيعرفه كما يعرف أن من هو مسار لغيره فذلك الغير مساو له ، وتنبيه الغافل عنه إذا تنبه عليه فيعرفه كما يعرف أن من هو مسار لغيره فذلك الغير مساو له ، ( ولذلك ) أي من هذا الوجه ( قال تعالى :( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ )[ الزخرف : 87 ] وكذا قوله تعالى :( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ )[ الزخرف : 9 ] . وقال في مخاطبة المؤمنين والكافرين( ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ * ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ )[ البقرة : 138 ] الآية . ( معناه إن اعتبرت أحوالهم ) المختلفة ( شهدت بها نفوسهم وبواطنهم ) وإليه الإشارة بقوله تعالى :( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها )[ الروم : 30 ] وقوله :( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً )[ البقرة : 138 ] ( أي كل آدمي فطر ) وجبل ( على الايمان باللّه عز وجل ) والانقياد لطاعته ، ( بل على معرفة الأشياء على ما هي عليها ) ، ولم يقل بل على معرفة اللّه تعالى ، فإنه إنما عني بالإيمان معرفة اللّه الضرورية . وهي معرفة كل أحد انه مفعول ، وأن له فاعلا فعله ونقله من الأحوال المختلفة لا المعرفة المكتسبة ، فإنه قد تقدم بيانها في أول الكتاب . ( أعني : إنها كالمتضمنة فيها لقرب استعدادها للادراك ) وتهيئها لقبوله ، ( ثم لما كان الايمان مركوزا في النفوس ) مودوعا فيها ( بالفطرة ) الأصلية ( انقسم الناس من أعرض ) عنه ( فنسي ) لتمادي العهد وهم الكفار ، ( وإلى من أجال خاطره ) وأداره بحسن تفكره ( فتذكر ) ما كان منسيا ، ( فكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ) عنها ( فتذكرها ) فيما بعد ، فإن أصل التذكر محاولة القوة العقلية لاسترجاع ما فات بالنسيان ، ( ولذلك قال عز وجل :( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )[ البقرة : 221 ]