اللّه تعالى . فإن الخشية ثمرة العلم فتكون كالمجاز لغير تلك الغريزة ، ولكن ليس الغرض البحث عن اللغة .
والمقصود أن هذه الأقسام الأربعة موجودة والاسم يطلق على جميعها ، ولا خلاف في وجود جميعها إلا في القسم الأول ، والصحيح وجودها بل هي الأصل . وهذه العلوم كأنها مضمنة في تلك الغريزة بالفطرة ، ولكن تظهر في الوجود إذا جرى سبب يخرجها إلى الوجود حتى كأن هذه العلوم ليست بشيء وارد عليها من خارج ، وكأنها كانت مستكنة فيها فظهرت ومثاله الماء في الأرض ، فإنه يظهر بحفر البئر ويجتمع ويتميز بالحس لا بأن يساق إليها شيء جديد ، وكذلك الدهن في اللوز وماء الورد في الورد ، ولذلك قال تعالى :
( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى )
[ الأعراف : 172 ] ، فالمراد به إقرار نفوسهم لا إقرار الألسنة ، فإنهم
شرح
بتعظيم ( ثمرة العلم ) ونتيجته ( فيكون كالمجاز ) إذا أطلق ( لغير تلك الغريزة ) ، وإنما قال :
كالمجاز ولم يقل مجازا لأنه أورده بحثا ، ولذا قال في أوله : ويشبه وهذا بظاهره لا غبار عليه إلا أنه خالف فيه سائر أئمة اللغة وغالب المتكلمين ، فإنهم ما فسروه إلا بالعلم ولا أحد منهم جعل الغريزة أصلا في معناه ، حتى يكون إطلاقه على العلوم مجازا ، ولذا أنكروا على المحاسبي مقالته المذكورة آنفا ، ( ولكن ليس الغرض البحث عن اللغة ) أشار بهذه إلى أنه خالفهم فيما اطبقوا عليه .
( والمقصود أن هذه الأقسام الأربعة موجودة ) كما عرفت ، ( و ) هذا ( الاسم ) أي اسم العقل ( يطلق على جميعها ) إطلاقا صحيحا ( إلا القسم الأول ) أي الغريزة فمختلف فيه ، ( والصحيح وجودها ) أي الغريزة ( بل هي الأصل ) للأقسام الثلاثة . ( وهذه العلوم كلها منضمة في تلك الغريزة ) مركوزة فيها ( بالفطرة ) الأصلية ، ( ولكن تظهر في الوجود إذا جرى سبب ) قوي ( يخرجها ) من أصل الفطرة ( إلى الوجود حتى كأن هذه العلوم ليست بشيء وارد عليها من خارج وكأنها كانت مستكنة ) أي مختفية ( فيها فظهرت ) وبرزت ، ( ومثاله ) في الظاهر ( الماء في الأرض فإنه ) يختفي فيها ، وإنما ( يظهر بحفر القني ) بضم القاف وكسر النون وتشديد التحتية جمع قناة وهي الجدول الصغير ( ويجتمع ) مع بعضه ( ويتميز ) ذلك ( بالحس ) والمشاهدة ( لا بأن يساق إليه شيء جديد ) من خارج ، ( وكذلك الدهن ) فإنه مستكن ( في ) قلب ( اللوز ) وهو ثمر شجر معروف ، ( وماء الورد ) فإنه مستكن ( في الورد ) ، وإنما يخرجان منهما بسبب قوى في الاخراج ، ( ولذلك قال تعالى ) في كتابه العزيز( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى )[ الأعراف : 172 ] فالمراد به اقرار نفوسهم ) المجردة عن الهياكل ( لا اقرار الألسنة فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة