العقل إلى مجرد العلوم الضرورية ، فإن الغافل عن العلوم والنائم يسميان عاقلين باعتبار
شرح
البرهان عند الكلام في معرفة العقل : وما حوم عليه أحد من علمائنا غير الحرث المحاسبي فإنه قال : العقل غريزة يتأتى بها درك العلوم وليست منها اه .
وقد ارتضى الإمام كلام الحرث هذا كما ترى ، وقال عقبة : أنه صفة إذا ثبتت يتأتى بها التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضروريات التي هي مستند النظريات اه .
قال ابن السبكي : وهو منه بناء على أن العقل ليس بعلم والمفرد إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه العلم ، وقال القاضي أبو بكر أنه بعض العلوم الضرورية والإمام حكى في الشامل مقالة الحرث هذه التي استحسنها ، وقال : أنا لا أرضاها ونتهم فيها النقلة عنه ، ثم قال : ولو صح النقل عنه فمعناه أن العقل ليس بمعرفة اللّه تعالى ، وهذا إذا أطلق المعرفة أراد بها معرفة اللّه تعالى ، فكأنه قال : ليس العقل بنفسه معرفة اللّه تعالى ، ولكنه غريزة وعنى بالغريزة أنه عالم لأمر جبل اللّه عليه العاقل ويتوصل به إلى معرفة اللّه تعالى اه كلامه في الشامل .
قال ابن السبكي : والمنقول عن الحرث ثابت عنه ، وقد نص عليه في كتاب الرعاية ، وكان إمام الحرمين نقل كلام الحرث بعد ذلك ثم لاحت له صحة ذلك بعد ما كان يرضاه اه سياق ابن السبكي .
قلت : واختلف كلام إمام الحرمين في كتابه الإرشاد فنقل شيخنا عن ابن مرزوق قال قال الإمام في الإرشاد : العقل هو علوم ضرورية بها يتميز العاقل عن غيره إذا اتصف وهي العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات قال ، هو تفسير العقل الذي هو شرط في التكليف ، ولسنا نذكر تفسيره بغير هذا وهو عند غيره من الهيئات والكيفيات الراسخة من مقولة الكيف فهو صفة راسخة توجب لمن قامت به إدراك المدركات على ما هي عليه ما لم يتصف بضدها اه .
وقال في موضع آخر من كتابه : العقل علوم ضرورية ، والدليل على أنه من العلوم استحالة الاتصاف به مع تقدير الخلق من جميع العلوم ، وليس العقل من العلوم النظرية إذ شرط النظر تعذر العقل ، وليس العقل جميع العلوم الضرورية ، فإن الضرير ومن لا يدرك يتصف بالعقل مع انتفاء علوم ضرورية عنه ، فبان بهذا أن العقل من العلوم الضرورية وليس كلها اه .
وإلى هذا الكلام الأخير نظر المصنف فقال : ( ولم ينصف من أنكر هذا ) أي مقالة المحاسبي ( ورد العقل إلى مجرد العلوم الضرورية ) . وقال ابن السبكي في الطبقات : وأعلم أنه ليس في ارتضاء مذهب الحرث واعتقاده ما ينتقد ولا يلزمه قوله بالطبائع ولا شيء من مقالات الفلاسفة ، كما ظنه بعض شراح البرهان ، وقول إمام الحرمين أنه أراد معرفة اللّه ممنوع ، فقد قدمنا عن الحرث بالإسناد قوله : نور الغريزة يقوى ويزيد بالتقوى نعم الحرث لا يريد بكونه نورا ما تدعيه الفلاسفة اه .