تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 748

مساهمون:

ص٧٤٨
وقال سبحانه :
( أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ )
[ الأنعام : 112 ] وحيث ذكر النور والظلمة أراد به العلم والجهل كقوله :
( يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ )
[ البقرة : 257 ] . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا أيها الناس اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه ، واعلموا أنه ينجدكم عند ربكم ، واعلموا أن العاقل من أطاع اللّه وإن كان دميم المنظر حقير الخطر دنيء المنزلة رثّ الهيئة ، وإن الجاهل من عصى اللّه تعالى وإن كان جميل المنظر عظيم الخطر شريف المنزلة حسن الهيئة فصيحا نطوقا فالقردة والخنازير أعقل عند
شرح
الكتاب ولا الإيمان ، ولكن جعلناه نورا . ومن هنا سمي القرآن أيضا روحا لكونه أساس العلوم كلها يحصل بها الحياة ويتسبب إلى الحياة الأخروية المشار لها بقوله تعالى :( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ )[ العنكبوت : 64 ] وكذلك فسر قوله تعالى :( كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ )[ المجادلة : 22 ] والضمير عائد إلى اللّه تعالى على أحد الوجوه ، أو عائد إلى الإيمان . أي قوّاهم بعلم الإيمان ، فعلم الإيمان هو روحه ( وقال تعالى :( أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ )[ الأنعام : 112 ] فقد سمي من لم يكن له روح القلب ميتا وكذلك قوله تعالى :( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى )[ النمل : 80 ] ( وحيث ذكر النور والظلمة أراد به ) أي بالنور ( العلم ) وبالظلمة ( الجهل ) ، أو أراد بهما الإيمان والشرك ، وأصل الظلمة عدم النور وهما متقابلان ، وهما من أحسن الاستعارات لهذين الضدين . ( كقوله ) تعالى :( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ )[ البقرة : 257 ] وقد يعبر بالظلمة عن الفسق أيضا ، كما يعبر عن أضداد هؤلاء الثلاثة . أعني الشرك والجهل والفسق بالنور ، ( وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أيها الناس اعقلوا عن ربكم » ) أي اعلموه وافهموه منه يقال : عقلت عنه كذا ( وتواصوا بالعقل ) أي بكماله ( تعرفوا به ما أمرتم به وما نهيتم عنه واعلموا أنه ) أي العقل ( منجدكم عند ربكم ) هكذا في نسخة العراقي ، وفي بعضها : ينجدكم عند ربكم ( واعلموا أن العاقل من أطاع اللّه وإن كان دميم ) بالدال المهملة أي قبيح ( المنظر ) بالنسبة إلى ما يظهر منه ( حقير الخطر ) أي القدر والقيمة ( دنيء المنزلة ) أي خسيسها ( رث الهيئة ) بالنسبة إلى ملبوسه وما يلحقه من العناء والمشقة ، فيحصل له بذلك التشعيث ( وأن الجاهل ) أورده في مقابلة العاقل لأن العلم والعقل يتواردان موردا واحدا ، كما أشرنا إليه آنفا ( من عصى اللّه وإن كان جميل المنظر عظيم الخطر شريف المنزلة حسن الهيئة ) وهذه أربعة أوصاف في مقابلة أربعة أوصاف ، وإن أول ما يروع الانسان جمال منظره ، فإذا عظم مع ذلك خطره فهي مرتبة علياء وبها تكون منزلته شريفة وهيئته حسنة ، ثم زاد في أوصافه وصفين فقال : ( فصيحا نطوقا ) فما أقبح بالمرء أن يكون حبس جسمه باعتبار قبح نفسه جنة يعمرها بوم وحرمة يحرسها ذئب ، كما قال حكيم لجاهل صبيح الوجه : أما البيت فحسن وأما ساكنه فرديء ، وما أقبح به أن يكون اعتباره بكثرة ماله وحسن أثاثه ، فقد سمى بعض الحكماء الأغنياء تيوسا صوفها درر وحمر إجلالها حبر ( والقردة والخنازير أعقل عند اللّه