تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 746

مساهمون:

ص٧٤٦
وسائر الخلق مع قرب منزلتهم من رتبة البهائم يوقرون المشايخ بالطبع . ولذلك حين قصد كثير من المعاندين قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما وقعت أعينهم عليه واكتحلوا بغرته الكريمة هابوه وتراءى لهم ما كان يتلألأ على ديباجة وجهه من نور النبوّة ، وإن كان
شرح
المقصود منه ونعود إلى شرح كلام المصنف ولما سبق أن العقل أشرف المبدعات وأن جميعها محتاجة إليه حتى أن البهائم ظهر فيها هذا المعنى من الانقياد لصاحب العقل والاحتشام له ذكران على هذا يجري أمر الناس بعضهم مع بعض ، فإن عامتهم إذا وجدوا بينهم واحدا أكثر حظا من العقل ، فإنهم يهابونه ويخضعون له ويتبعونه منقادين مستسلمين كشبه البهائم إذ الطينة واحدة بعينها فقال : ( ولذلك ترى الأتراك ) وهم جيل من الناس معروفون الواحد تركي ، ( والأكراد ) جيل من الناس معروفون مساكنهم الجبال وفي نسبتهم اختلاف كثير بيناه في شرحنا على القاموس ، ( وأجلاف العرب ) وهم الجفاة منهم الذين لم يتزيوا بزي أهل الحضر في رفقهم ولين أخلاقهم مأخوذ من جلف الشاة أو البعير كان المعنى عربي بجلده ، كما قال : غلام بغباره أي لم يتغير عن جهته ، ( وسائر الخلق ) أي من سائر الأجناس ( مع قرب رتبتهم من ) رتبة ( البهائم ) وتحقيق المقام أن الإنسان وإن كان هو بكونه إنسانا هو أفضل موجود ، فذلك بشرط أن يراعى ما به صار إنسانا وهو العلم والعمل المحكم ، فبقدر وجود ذلك المعنى فيه يفضل ، فأما من حيث ما يتغذى وينسل فنبات ، ومن حيث ما يتحرك ويحس فحيوان ، ومن حيث الصورة التخطيطية فكصورة في جدار ، وإنما فضيلته بالنطق وقواه ومقتضاه ، ولهذا قيل : ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة ، فمن صرف همته كلها إلى رتبة القوة الشهوية باتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام ، فخليق بأن يلحق بأفق البهائم فيصير إما غمرا كثور أو شرها كخنزير ، أو ضرعا ككلب ، أو حقودا كجمل ، أو متكبرا كنمر ، أو ذا روغان كثعلب ، أو يجمع ذلك كله فيصير كشيطان مريد ، فهذه الأوصاف غالبا توحد في الأصناف التي ذكرها المصنف إما على الانفراد أو على الاشتراك أو الجمعية ( يوقرون المشايخ بالطبع ) والجبلة ويعظمونهم أجلالا لمقامهم ويتبعون آراءهم خاضعين منقادين ، وفي الذريعة وكذلك جماعة الرعاة إذا رأوا منهم من كان أوفر عقلا وأغزر فضلا فيما هم بصدده انقادوا له طوعا ، فالعلماء إذا لم يعاندوا انقادوا ضرورة لأكثرهم علما وأكبرهم وأفضلهم نفسا وأوفرهم عقلا ولا ينكر فضله إلا متدنس بالمعايب ومتطلب للرئاسة وحافظ على غرض دنيوي ، وقد جعل عقله خادما لشهوته فلحفظه لرئاسته ينكر فضل الفاضل اه . وقال الشيخ نجم الدين داية : وكذلك يفعل العقلاء لمن فوقهم في العقل من الطاعة والانقياد وشدة التهيب ، ولقوة هذا الأمر الطبيعي ربما ظن بواحد من الناس أكثر مما فيه من العقل ، فينقاد له فقد بان بما ذكرنا أن العقل ملك مطاع بالطبع ، ( ولذلك ) أي لفضيلة العقل الوافر ( قصد قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كثير من المعاندين ) لجفاء طباعهم وقسوة قلوبهم ، ( فلما وقعت أعينهم عليه واكتحلوا بغرته ) أي غرة وجهه ( الكريمة هابوه ) واحتشموه ( وتراءى لهم