ذلك باطنا في نفسه بطون العقل ، فشرف العقل مدرك بالضرورة ، وإنما القصد أن تورد ما وردت به الأخبار والآيات في ذكر شرفه ، وقد سماه اللّه نورا في قوله تعالى :
( اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ )
[ النور : 35 ] ، وسمي العلم المستفاد منه روحا ووحيا وحياة ، فقال تعالى :
( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا )
[ الشورى : 52 ] .
شرح
ما كان يتلألأ على ديباجة وجهه من نور النبوة ) المضيء ، ( وإن كان باطنا في نفسه بطون العقل ) وسيأتي في ذلك المزيد في أخلاق النبوة من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى . ونص الذريعة : ولفضيلة العقل كان كثير ممن كانوا يعاندون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قصدوه ليقتلوه ، فما كان إلا أن وقع طرفهم عليه فيتراءى لهم نور اللّه تعالى معرّبا عنه فألقى في قلوبهم منه روعة فهابوه ، فمن مذعن له طائع وخبيث لا ينكره بعد إلا جاحدا ولهذا قال الشاعر :لو لم تكن فيه آيات منزلة * كانت بداهته تغنيك عن خبرهوبين السياقين تفاوت لا يخفى للمنصفين ( وشرف العقل ) وجلالته ( مدرك بالضرورة ) فلا يحتاج إلى التطويل في جلب الكلام فيه من هنا ومن هنا ، ( وإنما المقصد أن نورد ما وردت به الأخبار ) الصحيحة ( والآيات ) الصريحة ( في ذكر شرفه ، وقد سماه اللّه تعالى نورا في قوله( اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )[ النور : 35 ] وإنما سمي بذلك لنورانيته ) وهذا قد ذكره الراغب في كتابيه الذريعة والمفردات ، ونصه في الذريعة : وإلى العقل أشار بقوله تعالى اللّه نور السماوات والأرض أي منوّرهما ، والنور : هو العقل ونقله في المفردات عن ابن عرفة .
وقال الشيخ نجم الدين دايه : وقد سماه اللّه تعالى في القرآن نورا في قوله( قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ )[ المائدة : 15 ] فالنور محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اه .
ونقل الراغب في أول الذريعة ما نصه : جعل المصباح مثلا للعقل ، والمشكاة مثلا لصدر المؤمن ، والزجاجة لقلبه والشجرة المباركة وهي الزيتونة الدين وجعلها لا شرقية ولا غربية تنبيها على أنها مصونة عن التفريط والإفراط ، والزيت القرآن وبين أن القرآن يمد العقل مد الزيت المصباح ، وأنه يكاد يكفي لوضوحه ، وإن لم يعاضده العقل ، ثم قال( نُورٌ عَلى نُورٍ )أي نور القرآن ونور العقل وبين أنه يخص بذلك من يشاء اه .
واعلم أن الإنسان لم يتميز عن الحيوان والبهائم إلا بالعقل ولم يشرف إلا بالعلم ومن شرف العلم إن كل حياة انفكت عنه فهي غير معتد بها بل ليست في حكم الموجودة ، فإن الحياة الحيوانية لا تحصل ما لم يقارنها الإحساس فيلتذ بما يوافقه ويطلبه ويتألم مما يخالفه فيهرب منه ، وذلك أحسن المعارف فلأجل أن الحياة تقارب العلم ( سمى ) اللّه تعالى ( العلم المستفاد منه ) أي من العقل روحا لأنه يحيا به الناس الحياة الأخروية ، ولما كان مقتضى الحياة الانسانية أنها إذا تعرت من المعارف المختصة بها أن لا يعتد بها لهذا سمى اللّه ذلك العلم المستفاد ( حياة فقال تعالى :( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا )[ الشورى : 52 ] ما كنت تدري ما