تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 744

مساهمون:

ص٧٤٤
والآخرة ؟ أو كيف يستراب فيه والبهيمة مع قصور تمييزها تحتشم العقل ، حتى أن أعظم البهائم بدنا وأشدها ضراوة وأقواها سطوة إذا رأى صورة الإنسان احتشمه وهابه لشعوره باستيلائه عليه لما خص به من إدراك الحيل ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الشيخ في قومه كالنبي في أمته » . وليس ذلك لكثرة ماله ولا لكبر شخصه ولا لزيادة قوته ، بل
شرح
فالأوّل هو الذي قد يسمى في الشرع وفي كلام الحكماء العقل المستفاد ، وفي النحو المعرفة ويتعدى إلى مفعول واحد ، والثاني يسمى العلم دون العقل ويتعدى إلى مفعولين ، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما من حيث أن القصد إذا قيل علمت زيدا منطلقا إثبات العلم بانطلاق زيد دون العلم بزيد ، ثم أن العلم والعقل بقياس أحدهما على الآخر على ثلاثة أوجه . أحدهما : عقل ليس بعلم وهذا العقل الغريزي ، والثاني : علم ليس بعقل وهو المتعدي إلى مفعولين ، والثالث : عقل هو علم وعلم هو عقل ، وهو العقل المستفاد . والعلم الذي يقال له المعرفة ولم يصح أن يعدى العقل إلى مفعولين فيقال : عقلت زيدا منطلقا ، كما يقال في علمت لكون العقل موضوعا للعلم البسيط دون المركب ، وسمي عقلا من حيث إنه مانع لصاحبه أن تقع أفعاله على غير نظام ويسمى علما من حيث أنه علامة على الشيء وهذا إذا اعتبر حقيقته مما يتبين به شرف اللغة العربية حققه الراغب في الذريعة ، ( وكيف لا يشرف ما هو وسيلة السعادة في الدنيا والآخرة ) . أما السعادة الدنيوية فمن أعظمها أن الانسان به يصير خليفة اللّه في أرضه ، وأما الأخروية فإنه يحصل حرث الآخرة المذكورة في قوله تعالى :( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ )[ الشورى : 20 ] وثمرة حرث الآخرة على التفصيل سبعة أشياء : بقاء بلا فناء ، وقدرة بلا عجز ، وعلم بلا جهل ، وغنى بلا فقر ، وأمن بلا خوف ، وراحة بلا شغل ، وعز بلا ذل . ( أو كيف يستراب ) ويشك ( فيه والبهيمة على قصور تمييزها تحتشم العقل ) . قال الشيخ نجم الدين دابه : إعلم أن اللّه تعالى خص العقل برتبة هي أعلى مراتب المبدعات ، وأن جميعها محتاجة إليه ، وهو الذي يمدها بفضائله وإن كان بعضها لأجل بعده عنه وقلة حظه منه يتمرد عليه وعلى ذلك ، فإنه لا محالة يخضع له إذا ظهر له أدنى ظهور ، فمثله كمثل الملك الذي يحتجب عن بعض عبيده ويطلع عليهم من حيث لا يرونه ولا يعلمون انه يراهم ، فإن أحسّوا به أدنى إحساس انقبضوا ضرورة وهابوا طبعا ، ويظهر هذا المعنى ظهورا تاما في البهائم فإنها تخدم الانسان وتهابه بالطبع وتتبع العدة الكثيرة الراعي الواحد ، ربما كانت قوّة واحد منها تزيد على قوى عدة كثيرة منهم ( حتى أن أعظم البهائم بدنا وأشدهم ضراوة وأقواهم سطوة ) نحو الجمل والفيل ( إذا رأى صورة الانسان احتشمه وهابه ) خافه ( لشعوره ) وإدراكه ( باستيلائه عليه ) وغلبته ( لما خص به إدراك الحيل ) وقال الراغب في الذريعة : العقل حيثما كان محتشما حتى أن الحيوان إذا رأى انسانا احتشمه بعض الاحتشام وانزجر بعض الانزجار ، ولذلك تنقاد الإبل للراعي اه . ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الشيخ في قومه كالنبي في أمته » ) قال السخاوي في المقاصد : جزم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 744 | مرتضى الزبيدي