ويدفع ما لا يوافق محبوبه ، ولذلك قال اللّه عز وجل :
( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً )
[ الكهف : 28 ] ، والعوام العصاة أسعد حالا من الجهال بطريق الدين المعتقدين أنهم من العلماء ، لأن العامي العاصي معترف بتقصيره فيستغفر ويتوب ، وهذا الجاهل الظانّ أنه عالم فإن ما هو مشتغل به من العلوم التي هي وسائله إلى الدنيا عن سلوك طريق الدين فلا يتوب ولا يستغفر ، بل لا يزال مستمرا عليه إلى الموت .
وإذ غلب هذا على أكثر الناس إلا من عصمه اللّه تعالى وانقطع الطمع من إصلاحهم فالأسلم لذي الدين المحتاط العزلة والانفراد عنهم - كما سيأتي في كتاب العزلة بيانه إن شاء اللّه تعالى - ولذلك كتب يوسف بن أسباط إلى حذيفة المرعشي : ما ظنك بمن بقي
شرح
( قوله ، بل ينبغي أن يتهم في كل ما يقول لأن كل انسان ) إنما ( يخوض فيما أحب ) ومالت إليه نفسه ، ( ويدفع ما لا يوافق محبوبه ) فحب الدنيا وغلبة الهوى يحكمان عليه بالصد عن سبيل الحق شاء أم أبى . ( ولذلك قال تعالى( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً )[ الكهف : 28 ] أي مضيعا متهاونا به . وقال أبو عبيدة : أي ندما وقيل : سرفا ، ( والعوام ) من الناس ( العصاة أسعد حالا ) وأقرب إلى الرحمة ( من ) خواص العلماء ( الجهال بطريق الدين ) والصراط المستقيم ( المعتقدين ) في أنفسهم وعند العامة ، ( أنهم من العلماء ، لأن العامي العاصي ) لا يموّه في الدين ولا يغر المؤمنين ولا يدعى أنه عالم لأنه يتعلم و ( معترف ) بالجهالة و ( بتقصيره ) مقر ( فيستغفر ويتوب ) فهو للرحمة أقرب ومن المقت أبعد ، ( وهذا الجاهل الظان ) في نفسه ( أنه عالم وان ما هو مشتغل به من العلوم التي هي وسائل إلى الدنيا ) ووسائط وأسباب لتحصيلها ( عن سلوك طريق الدين فلا يتوب ) إلى اللّه تعالى ( ولا يستغفر ) فهو ( لا يزال مستمرا ) على حاله ( إلى الموت ) . وكان سهل التستري يقول : قسوة القلب بالجهل أشد من القسوة بالمعاصي ، لأن الجاهل بالعلم تارك ومدع ، والعاصي بالفعل معترف بالعلم ، وكان يقول أيضا : العلم دواء يصلح الأدواء فهو يزيل فساد الأعمال بالتدارك ، والجهل داء يفسد الأعمال بعد صلاحها فهو يزيل الحسنات ويجعلها سيئات ، فكم بين ما يصلح الفساد وبين ما يفسد الصالحات ، وقد قال اللّه تعالى :( إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ )[ يونس : 81 ] وقال تعالى :( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ )[ الأعراق : 170 ] ( وإذا غلب هذا ) الوصف ( على أكثر الناس ) من المتسمين بسمه العلم ( إلا من عصمه اللّه تعالى ) . وهم أقل من القليل ( انقطع ) الرجاء من ارشادهم وخاب ( الطمع من اصلاحهم ) ، لأنه داء نحيس لا يرجى برؤة ، ( فالأسلم ) الأحوط ( لدين المحتاط ) الوجل المشفق على حاله ( العزلة والانفراد عنهم ) كيلا يراهم ولا يروه ، ( كما سيأتي في كتاب العزلة ) من هذا الكتاب ( بيانه ان شاء اللّه تعالى ، ولذلك كتب ) أبو محمد ( يوسف بن أسباط ) المتوفي سنة نيف وتسعين ومائة ( إلى حذيفة المرعشي ) المتوفي سنة سبع ومائتين وكلاهما من أكابر العارفين :