تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 737

مساهمون:

ص٧٣٧
يخطر لهم على سبيل الورود عليهم من حيث لا يعلمون ، وتارة على سبيل الرؤيا الصادقة ، وتارة في اليقظة على سبيل كشف المعاني بمشاهدة الأمثلة - كما يكون في المنام - وهذا أعلى الدرجات وهي من درجات النبوّة العالية ، كما أن الرؤيا الصادقة
شرح
الحواس الخمس ولا يقبل القسمة والتجزىء ، ويقابله الملك ويعبران بالغيب والشهادة أيضا ( تارة على سبيل الالهام ) الرباني ( بأن يخطر لهم على سبيل الورود عليهم من حيث لا يعلمون ) وهو صنف من أصناف الوحي الثلاثة ، ( وتارة على سبيل الرؤيا الصادقة ) في النوم وهو أيضا صنف من أصناف الوحي التسعة ، ( وتارة في اليقظة على سبيل كشف المعاني بمشاهدة الأمثلة ) ، وذلك فإن الانسان إذا إرتقى من قوة الحس إلى قوّة التخيل ، ومنها إلى قوّة الفكر ، ومنها إلى إدراك حقائق الأمور التي في العقل وهذي القوى متصلة اتصالا روحانيا فربما عرض لها من قوّة قبول بعضها من بعض الآثار أن ينعكس في بعض الأمزجة منحطة كما تصاعدت على سبيل الفيض ، فيؤثر حينئذ العقل في القوة الفكرية ، والقوّة الفكرية في القوّة المتخيلة ، وتؤثر القوّة المتخيلة في الحس فيرى الانسان أمثلة الأمور المعقولة . أعني حقائق الأشياء ومبادئها وأسبابها كأنها خارجة عنه وكأنها يراها ببصره ويسمعها بأذنه ، ( كما يكون في المنام ) أي كما أن النائم يرى أمثلة الأشياء المحسوسة في القوّة المتخيلة ، ويظن أنه يراها من خارج ، وربما كانت صحيحة مبشرة أن منذرة في المستأنف ، وربما رأى الأمور بأعيانها من غير تأويل ، وربما رآها مرموزة تحتاج إلى تأويل . كذلك حال هذا المستيقظ إذا استقرت فيه هذه القوّة العالية أخذته عن المحسوسات حتى كانت غابت عنها فيشاهد في القوّة المتخيلة ما انحدر إليها من علو الخفا بإرادة اللّه إياه إلى العقل ، ومن العقل إلى الفكر ، ومن الفكر إلى المتخيلة ويسمع ما لا يشك فيه ، وتلك الأمور ليست في زمان فمستقبلها وماضيها واحد لأنها حاضرة معا ، فالأمور لائحة فيه له فيشاهد مستقبلها كما يشاهد ماضيها وإذا أخبر بها كانت صحيحة وكانت وحيا واللّه أعلم . ( وهذا أعلى الدرجات ) لأنه من مقام الأنبياء وهو غاية شرف الانسانية والأفق الأعلى منه ، فلم يبق له الارتقاء من هذا المقام بسعيه وجهده بل تنحط إليه الأمور الإلهية والجذبات الربانية وحيا وإلهاما ( وهي من درجات النبّوة العالية ) الشأن والقدر ، ( كما أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) أخرجه الأمام أحمد ، وابن ماجة ، عن ابن عمر ، والإمام أحمد أيضا عن ابن عباس ولفظهم : « الرؤيا الصالحة » وقد تقدم تخريج هذا الحديث في أوّل الكتاب ، واعلم أن الانسان إذا جعل أقصى سعيه بما يستفيده من حواسه ترقية قواه إلى ما يقرب من الرب عز وجل بطريق الرياضات النفسانية والمجاهدات الشرعية أيده اللّه تعالى بحقيقة الضد واستكملت صورة الانسانية فيه وتصورت نفسه بحقائق الأشياء ، فيبلغ في هذه المرتبة متصاعدا فيها إلى غاية أفقه التي إن تجاوزها لم يكن إنسانا ، بل صار ملكا كريما إلى أن تدركه العناية الأزلية وتهب نفحات ألطاف الحق فتنخرق الحجب النورانية ويشاهد الأنوار الربانية ويتقوى بقوة لم تكن في استعداد الإنسان مجبولة تسمى خفيا لأنها كانت متمكنة لم يخرجها من القوة