جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوّة . فإياك أن يكون حظك من هذا العلم إنكاره ما جاوز حد قصورك ، ففيه هلك المتحذلقون من العلماء الزاعمون أنهم أحاطوا بعلوم العقول ، فالجهل خير من عقل يدعون إلى انكار مثل هذه الأمور لأولياء اللّه تعالى ، ومن
شرح
إلى الفعل إلا سطوات الأنوار الربانية فبالارتقاء إلى مقام الخفي يستعد للترقي من أواخر الأفق الإنساني إلى أوائل آفاق ما فوقها فيستعد لقبول الفيض الرباني بلا واسطة ، وهذا مقام الأنباء ينبئه الحق تعالى بإراءة آياته في آفاق نفسه عما يشاء كما يشاء ، أما الأولياء بالالهام ، وأما الأنبياء بالوحي بحسب استعداد كل واحد منهم . وقد ذكرنا آنفا أن الالهام صنف من أصناف الوحي الثلاثة والرؤيا الصادقة صنف من أصناف الوحي التسعة ، فربما تتشوّق نفسك إلى معرفة ذلك تفصيلا . فاعلم أن اللّه جل شأنه جعل أقسام كلامه مع عباده ثلاثة وحيا بلا واسطة ، وكلاما من وراء حجاب ، وارسال الرسول وهو جبريل عليه السلام وغيره من الملائكة ، ثم جعل أصناف الوحي ثلاثة وحيا للعجماء بالاجراء والتسخير ، وحيا للأولياء بالالهام ، ووحيا للأنبياء تارة بواسطة وتارة بغير واسطة ، ولكل ذلك أمثلة وأدلة ليس هذا محل ذكرها . وقال بعض الحكماء الاسلاميين إن أصناف الوحي يجب أن يكون بعد أصناف قوى النفس . وذلك ان الفيض الذي يأتي النفس ، إما أن تقبله بجميع قواها أو ببعضها وقوى النفس تنقسم إلى قسمين وهما الحس والعقل ، وكل واحد من هذين ينقسم إلى أقسام كثيرة وأقسامها إلى أقسام كثيرة حتى ينتهي إلى الجزئيات التي لا نهاية لها ، وإنما عرض هذا الانقسام بحسب الآلات والمدركات الكثيرة ، فأما قواها التي هي الحواس فمنها ما هو في أفق الحيوان البهيمي ، ومنها ما هو في أفق الانسان ، وأعلاها مرتبة ما هو في أفق الانسان أعني حس البصر والسمع إلى آخر ما ذكره وأيد به قوله ، وأما ما جاء على لسان العلم من أصناف الوحي على نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم فمنها الرؤيا الصالحة ، ومنها ما يبدو في اليقظة فيسمع صوتا أو يرى ضوءا ، ومنها ما يرى ملكا فيكلمه ، ومنها ما يظهر الملك في أفق الملكية ومنها ما ينفث الملك في الروع ، ومنها ما نزل به جبريل على قلبه ، ومنها ما يلقيه اللّه في القلب من غير واسطة ، ومنها ما يأتي الملك متمثلا في صورة إنسان ، ومنها ما كان سرا بينه وبين ربه فلم يحدث به أحدا ، ومنها ما يحدث به الناس وذلك على صنفين : فمنه ما كان مأمورا بكتبه قرآنا ومنه ما لم يكن مأمورا بكتبه قرآنا فلم يكن قرآنا واللّه أعلم .
( وإياك ) أيها السامع لما أوردناه ( أن يكون حظك ) ونصيبك ( من العلم ) الذي حملته في باطنك ( إنكار كل ما جاوز حد قصورك ) وتعدى عن طور فهمك ، ( ففيه هلك المتحذلقون من العلماء ) أي المتكيسون ، والحذلقة : والتحذلق التصرف بالظرف ، وقيل المتحذلق هو الذي يريد أن يزداد على قدره ، وانه ليتحذلق في كلامه ويتبلتع أي يتظرف ويتكيس ( الزاعمون انهم أحاطوا ) على المعلومات بأسرها ( بعلم المعقول ) ، ولو وكل ما لا يحيط به ادراكه إلى علم اللّه تعالى لكان أحسن الحالين له ، ( والجهل خير من عقل يدعو ) ويتسبب ( إلى إنكار مثل هذه الأمور لأولياء اللّه تعالى ) لأن أشرف أقوال الجاهلين التسليم