عنهم الفرق بين العلم والكلام ، إلا عن الخواص منهم كانوا إذا قيل لهم فلان أعلم أم فلان يقولون : فلان أكثر علما وفلان أكثر كلاما ، فكان الخواص يدركون الفرق بين العلم وبين القدرة على الكلام .
هكذا ضعف الدين في قرون سالفة فكيف الظن بزمانك هذا وقد انتهى الأمر إلى أن مظهر الانكار يستهدف لنسبته إلى الجنون ، فالأولى أن يشتغل الإنسان بنفسه ويسكت .
ومنها ، أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور وإن اتفق عليها الجمهور فلا يغرنه أطباق الخلق على ما أحدث بعد الصحابة رضي اللّه عنهم ، وليكن حريصا على
شرح
معرفة السامع بوصف من سلف من العلماء كيف كانوا ، فصار كثير من متكلمي الزمان فتنة المفتون ، وصار كثير من الرأي والمعقول الذي حقيقته جهل كأنه علم عند الجاهلين ، ( وغاب عنهم الفرق بين العلم والكلام ) وبين المتكلم والعالم ( إلا على الخواص منهم كانوا إذا قيل لهم فلان أعلم من فلان ) وفي نسخة : أم فلان ( يقولون : فلان أكثر علما وفلان أكثر كلاما فكان الخواص ) منهم ( يدركون الفرق ) والتمييز ( بين العلم وبين القدرة على الكلام ) وبين العالم والمتكلم ، وخصوص الجهال يشبهون العلماء فيشتبهون على مجالسهم في الحال ، فاعلم الناس في زمانك أعرفهم بسيرة المتقدمين ، وأعلمهم بطرائق السالكين ، ثم أعلمهم بالعلم أي شيء هو وبالعالم من هو وبالمتعلم من هو ، وهذا كالفرض على طالبي العلم أن يعرفوه حتى يطلبوه إذ لا يصح طلب ما لا يعرف ، ثم معرفة العالم من هو ليطلبوا عنده العلم إذ العلم عرض لا يقوم إلا بجسم فلا يوجد إلا عند أهله .
( هكذا ضعف الدين في قرون سالفة فكيف الظن بزمانك هذا ) في القرن الخامس ؟
( وقد انتهى الأمر إلى أن مظهر الانكار ) في شيء من ذلك ( يستهدف ) ويرمي ( بنفسه إلى الجنون ) ، وقلة العقل واللّه المستعان ولا حول ولا قوّة إلا باللّه العليّ العظيم . ( فالأولى أن يشتغل الإنسان بنفسه ) في توجهه إلى المولى جل وعز ( ويسكت ) ، فإنه لا فائدة في نصيحته ولا سامع لها ولا حامل لحديثه ولا ناقل له ويفوض أمره إلى اللّه تعالى ، فهو المطلع على سرائر عباده وهو المجازي لهم .
( ومنها ) : أي ومن العلامات الفارقة بين علماء الدنيا والآخرة ( أن يكون شديد التوقي ) أي التحرز ( من محدثات الأمور ) التي أحدثها الناس فيما بعد ، ( وإن اتفق عليه الجمهور ) جميع الناس ومعظمهم ( فلا يغرنه إطباق الخلق ) وإجماعهم ( على ما أحدث ) وابتدع ( بعد ) عصر ( الصحابة ) والقرون الأول ، فأخرج اللالكائي في السنة من رواية شبابة قال : حدثنا هشام بن الغاز ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة . ( وليكن