ثم في القرن الرابع حدثت مصنفات الكلام وكثر الخوض في الجدال والغوص في إبطال المقالات ، ثم مال الناس إليه وإلى القصص والوعظ بها ، فأخذ علم اليقين في الاندراس من ذلك الزمان ، فصار بعد ذلك يستغرب علم القلوب والتفتيش عن صفات النفس ومكائد الشيطان ، وأعرض عن ذلك إلا الأقلون فصار يسمي المجادل المتكلم عالما ، والقاص المزخرف كلامه بالعبارات المسجعة عالما ، وهذا لأن العوام هم المستمعون إليهم فكان لا يتميز لهم حقيقة العلم من غيره ، ولم تكن سير الصحابة رضي اللّه عنهم وعلومهم ظاهرة عندهم حتى كانوا يعرفون بها مباينة هؤلاء لهم ، فاستمر عليهم اسم العلماء وتوارث اللقب خلف عن سلف ، وأصبح علم الآخرة مطويا وغاب
شرح
( ثم ) بعد سنة مائتين وبعد تقضي ثلاثة قرون ( في القرن الرابع ) المرفوض ( حدثت ) وظهرت ( مصنفات الكلام ) وكتب المتكلمين بالرأي والمعقول والقياس ( وكثر الخوض في الجدال ) مع القدرية والجهمية والروافض ( والغوص في إبطال المقالات ) بالبراهين والأدلة ، ( ثم مال الناس إليه ) أخذا وتحصيلا ( وإلى القصص والوعظ بها ) على الكراسي ، ( فأخذ علم اليقين ) والمعرفة . وفي نسخة : علم التيقن ( في الاندراس ) والاضمحلال وغابت معرفة الموقنين من علم التقوى وإلهام الرشد ، فخلف من بعدهم خلف فلم نزل في الخلوف إلى هذا الوقت ، ( فصار بعد ذلك يستغرب علم القلوب والتفتيش عن صفات النفس ) الامارة ( ومكائد الشيطان ) وحيله ( وأعرض عن ذلك إلا الأقلون ) من القليل ، ثم اختلط الأمر بعد ذلك في زمانك هذا ( فصار المجادل ) والمتكلم يسمى ( عالما ، والقاص المزخرف كلامه بالعبارات المسجعة ) الرائقة ( عالما ) عارفا ، والراوي للحديث والناقل له يسمى عالما من غير فقه في دين ولا بصيرة من يقين . قال صاحب القوت : وروينا عن ابن أبي عبلة قال : كنا نجلس إلى عطاء الخراساني بعد الصبح فيتكلم علينا فاحتبس ذات غداة فتكلم رجل من المؤذنين لا بأس به بمثل ما كان يتكلم به عطاء ، فأنكر صوته رجاء بن حيوة فقال : من هذا المتكلم ؟ فقال : أنا فلان . فقال : اسكت فإنه يكره أن يسمع العلم إلا من أهله الزاهدين في الدنيا ، وكرهوا أن يسمعوه من أبناء الدنيا وزعموا انه لا يليق بهم اه .
( وهذا لأن العوام ) من الناس ( هم المستمعون إليهم ) في حلق دروسهم ( وكان لا يتميز لهم حقيقة العلم عن غيره ) لقصور مرتبتهم ، ( ولم تكن سيرة الصحابة ) وطريقتهم ( وعلومهم ) وما كانوا عليه ( ظاهرة عندهم حتى كانوا يعرفون بها ) أي بتلك السيرة . وفي نسخة : به ( مباينة هؤلاء لهم ) في الأقوال والأحوال ، ( فاستمر عليهم اسم العلماء وتوارث اللقب خلف عن سلف وأصبح علم الآخرة مطويا ) وفي القوت : ثم درس معرفة هذا أيضا فصار كل من نطق بكلام وصفه غريب على السامعين لا يعرف حقه من باطله يسمى عالما ، وكل كلام مستحسن مزخرف رونقه لا أصل له يسمى عالما لجهل العامة بالعلم أي شيء هو ، ولقلة