عن الصحابة رضي اللّه عنهم فنأخذ منه ونترك ، وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال . وإنما فضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن أحوال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واعتلاق قلوبهم أمورا أدركت بالقرائن فسددهم ذلك إلى الصواب من حيث لا يدخل في الرواية والعبارة إذ فاض عليهم من نور النبوّة ما يحرسهم في الأكثر عن الخطأ . وإذا كان الاعتماد على المسموع من الغير تقليدا غير مرض ، فالاعتماد على الكتب والتصانيف أبعد ، بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شيء منها في زمن الصحابة وصدر التابعين ، وإنما حدثت بعد سنة مائة وعشرين من الهجرة وبعد وفاة جميع الصحابة وجله التابعين
شرح
والعين ، وما جاءنا عن الصحابة فنأخذ ونترك وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال ) قالوا : ونقول هكذا أورده صاحب القوت ، وهذا القول قد عزي إلى الإمام أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى . قال صاحب القوت : واعلم أن العبد إذا كاشفه اللّه تعالى بالمعرفة وعلم اليقين لم يسعه تقليد أحد من العلماء ، وكذلك كان المتقدمون إذا أقيموا هذا المقام خالفوا من حملوا عنه العلم لمزيد اليقين والإفهام ، ثم أورد قول ابن عباس ، وقول بعض السلف المتقدم ذكرهما . قال :
ولأجل ذلك كان الفقهاء يكرهون التقليد ويقولون : لا ينبغي لرجل أن يفتي حتى يعرف اختلاف العلماء أي فيختار منها على علمه الأحوط للدين والأقوى باليقين ، فلو كانوا لا يستحسنون أن يفتي العالم بمذهب غيره لم يحتج أن يعرف الاختلاف ، ولكان إذا عرف مذهب صاحبه كفاه ، ومتى قيل : إن العبد يسئل غدا فيقال : ما عملت فيما علمت ولا يقال له فيما علم غيرك ، وهذا العالم الذي هو من أهل الاستنباط والاستدلال من الكتاب والسنة ، فأما الجاهل والعامي الغافل فله أن يقلد العلماء ولعالم العموم أيضا أن يقلد عالم خصوص ، وللعالم بالعلم الظاهر أن يقلد من فوقه ممن حمل عن علم باطن من القلوب اه .
( وإنما فضل الصحابة ) رضي اللّه عنهم بخصوص التقليد ( بمشاهدتهم ) معاينة ( قرائن أحوال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) لملازمتهم له في أكثر الأوقات ( واعتلاق قلوبهم أمور الادراك ) مع البصيرة النافذة ( فسددهم ذلك إلى الصواب ) ومعرفة الحق ( من حيث لا يدخل في الرواية والعبارة إذ فاض عليهم من نور النبوة ) بإشراقه في صدورهم ( ما يحرسهم ) ويمنعهم ( في الأكثر ) من أحوالهم ( عن ) الوقوع في ( الخطأ ) ، فلأجل هذه الخصوصية خصوا بالتقليد لهم دون غيرهم من بعدهم ، لأنهم بعدوا قليلا عن تلك الأنوار ، فلم ينالوا مقام أولئك الأبرار ، ( وإذا كان الاعتماد على المسموع من الغير تقليدا غير مرض ) كما قرر ، ( فالاعتماد على الكتب والتصانيف أبعد ) من أن يكون مرضيا . ( بل الكتب والتصانيف محدثة ) أي أحدثت فيما بعد ( لم يكن شيء منها في زمن الصحابة وصدر التابعين ، وإنما حدثت بعد ) ، ولفظ القوت : لأن الكتب المجموعات محدثة ، والقول بمقالات الناس والفتيا بمذهب الواحد من الناس وانتحاء قوله ، والحكاية له في كل شيء والتفقه على مذهبه محدث لم يكن الناس قديما على ذلك في القرن الأول والثاني ، وهذه المصنفات من الكتب حادثة بعد ( مائة وعشرين من