الهداية صار في نفسه متبوعا مقلدا ، فلا ينبغي أن يقلد غيره . ولذلك قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ما من أحد إلا يؤخذ من علمه ويترك إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد كان تعلم من زيد بن ثابت الفقه ، وقرأ على أبيّ بن كعب ثم خالفهما في الفقه والقراءة جميعا ، وقال بعض السلف : ما جاءنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبلناه على الرأس والعين ، وما جاءنا
شرح
سفيان يقول : كنت أسمع الزهري يقول : حدثني فلان وكان من أوعية العلم ولا يقول كان عالما .
( ومن ) تأدب بآداب اللّه وخالط أهل المعرفة ( كشف عن قلبه الغطاء ) أي الحجاب ( واستنار بنور الهداية ) واليقين ، و ( صار في نفسه متبوعا مقلدا فلا ينبغي أن يقلد غيره ) لأن الفقيه في العلماء هو الفقيه بفقه علمه وقلبه لا بحديث سواه ، ومثل العالم بعلم غيره مثل الواصف لأحوال الصالحين العارف بمقامات الصديقين ولا حال له ولا مقام ، فليس يعود عليه من وصفه إلا الحجة بالعلم والكلام ، وسبق العلماء باللّه في المحجة بالأعمال والمقام ، فمثله كما قال تعالى :( وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ )[ الأنبياء : 18 ] وكقوله :( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ )[ البقرة : 20 ] وإذا أظلم عليهم قاموا لا يرجع إلى بصيرة في طريقه بما اشتبه عليه من ظلمات الشبه مما اختلف العلماء فيه ، ولا يتحقق بوجد منه يجده عن حال ألبسها بوجده ، وإنما هو واجد بتواجد غيره فغيره هو الواجد وشاهد على شهادة سواه ، فالسوي هو الشاهد ، وقد كان الحسن يقول : إن اللّه لا يعبأ بصاحب رواية إنما يعبأ بذي فهم ودراية ، وقال أيضا : من لم يكن له عقل يسوسه لم ينفعه كثرة رواية الحديث ، ( ولذلك قال ابن عباس ) رضي اللّه عنهما : ( ما من أحد إلا ويؤخذ من علمه ويترك إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) أورده صاحب القوت بلفظ : ليس أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك والباقي سواء .
وقال العراقي : رواه الطبراني في الكبير من رواية مالك بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رفعه فساقه بلفظ القوت وإسناده حسن .
( وقد كان تعلم من زيد بن ثابت الفقه ) هو زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان الأنصاري النجاري أبو سعيد ، ويقال أبو خارجة المدني أحد كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، قال الشعبي : وابن سيرين غلب زيد على اثنين الفرائض والقرآن ، وكان من أصحاب الفتوى من الصحابة إليه انتهى علمهم . وقال سعيد بن المسيب : لما دلي زيد في قبره قال ابن عباس : من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم ، واللّه لقد دفن اليوم علم كثير ، ووفاته سنة خمس وأربعين وهو ابن ست وخمسين ، وقيل : غير ذلك . ( وقرأ على أبيّ بن كعب ) القرآن هو أبي ابن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد الأنصاري النجاري المدني أبو المنذر ، ويقال : أبو الطفيل سيّد الأقران واحد من جمع القرآن توفي في خلافة عثمان على الصحيح ، ( ثم خالفهما ) فخالف زيدا ( في الفقه ) أي أفتى في بعض المسائل بخلاف ما أفتى به زيد ، ( و ) خالف أبيا ( في القراءة ) أي في بعض الوجوه .
( وقال بعض ) الفقهاء من ( السلف : ما جاءنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبلناه على الرأس