بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأقربهم هديا من الصحابة رضي اللّه عنهم .
شرح
القلب من الفقه في الدين ونعت أوصاف المؤمنين ، ولا يشعر أن حسن الأدب في المعاملة بمعرفة ويقين هو من صفات الموقنين ، وذلك هو حال العبد من مقامه بينه وبين ربه عز وجل ونصيبه من ربه وحظه من مزيد آخرته ، وهو معقود بشهادة التوحيد الخالصة المقترنة بالإيمان من خفايا الشرك وشعب النفاق بالفرائض وفرض فرضها الإخلاص بالمعاملة ، وإن علم ما سوى هذا مما قد أشرب قلبه وحبب إليه من فضول العلوم وغرائب الفهوم ، إنما هو حوائج الناس ونوازلهم فهو حجاب عن هذا واشتغال عنه ، فآثر هذا الغافل بقلة معرفة بحقيقة العلم النافع ما زين له طلبه وحبب إليه قصده آثر حوائج الناس وأحوالهم على حاجته وحاله ، وعمل في أنصبتهم منه في عاجل دنياهم من نوازل طوارقهم وفتياهم ولم يعمل في نصيبه الأوفر من ربه عز وجل لأجل آخرته التي هي خير وأبقى . إذ مرجعه إليها ومثواه المؤبد فيها فآثر التقرب منهم على القرب من ربه عز وجل ، وترك للشغل بهم حظه من اللّه تعالى الأجزل ، وقدم التفرغ لهم على فراغ قلبه لما قدم لغده من تقواه بالشغل لخدمة مولاه وطلب رضاه ، واشتغل بصلاح ألسنتهم عن صلاح قلبه وظواهر أحوالهم عن باطن حاله ، وكان سبب ما بلي به حب الرئاسة وطلب الجاه عند الناس ، والمنزلة بوجوب السياسة ، والرغبة في عاجل الدنيا وغيرها بقلة الهمة وضعف النية في آجل الآخرة وذخرها ، فأفنى أيامه لأيامهم ، واذهب عمره في شهواتهم ليسميه الجاهلون بالعلم عالما ، وليكون في قلوب الطالبين عندهم فاضلا ، فورد القيامة مفلسا ، وعندما يراه من أنصبة المقربين مبلسا إذ فاز بالقرب العاملون وربح بالرضا العاملون ، ولكن أنى له وكيف بنصيب غيره ، وقد جعل اللّه تعالى لكل عمل عاملا ولكل علم عالما أولئك ينالهم نصيبهم من الكتب كل ميسر لما خلق له هذا فصل الخطاب ، والرجل الخامس من العلماء هو صاحب حديث وآثار ونوافل ورواية الأخبار يقول لك إذا سألته : اعتقد التسليم وأمر الحديث كما جاء ولا تفتش ، وهذا يتلو المفتى في السلامة وهو أحسنهم طريقة وأشبههم بسلف العامة خليقة ، ليس عنده شهادة يقين ولا معرفة بحقيقة ما رواه ، ولا هو شاهد واصف لمعنى ما نقله إنما هو للعلم راوية ، وللخبر والأثر ناقلة ، فهو على بينة من ربه وليس يتلوه شاهد منه اه .
( ولقد كان الحسن ) هو ابن أبي الحسن واسمه يسار ( البصري ) أبو سعيد ( رحمه اللّه تعالى ) مولى الأنصار وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر فيذكرون أن أمه كانت ربما غابت فيبكي فتعطيه أم سلمة ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمه فدر عليه ثديها فشربه ، فلذا كان ( أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء ) في الحكمة والفصاحة ، ويروى أن ذلك من بركة تلك الشربة . ونشأ الحسن بوادي القرى ورأى عليا وطلحة وعائشة ولا يصح له سماع من أحد منهم ، ( و ) كان ( أقربهم هديا من الصحابة ) يروى أن أم سلمة كانت تخرجه إلى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو صغير ، وكانوا يدعون له فأخرجته إلى عمر فدعا له ، فقال : اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس . ( اتفقت الكلمة في حقه على ذلك )