ولأن الأعمال الفعلية قريبة وأقصاها بل أعلاها المواظبة على ذكر اللّه تعالى بالقلب واللسان ، وإنما الشأن في معرفة ما يفسدها ويشوشها وهذا مما تكثر شعبه ويطول تفريعه ، وكل ذلك مما يغلب مسيس الحاجة إليه وتعم به البلوى في سلوك طريق الآخرة ، وأما علماء الدنيا فإنهم يتبعون غرائب التفريعات في الحكومة والأقضية ويتعبون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع أبدا ، وإن وقعت فإنما تقع لغيرهم لا لهم ، وإذا وقعت كان في القائمين بها كثرة ، ويتركون ما يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل وأطراف النهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم وما أبعد عن السعادة من باع مهمّ نفسه اللازم بمهم غيره النادر إيثارا للتقرب والقبول من الخلق على التقرب من اللّه
شرح
المأخذ ( وأقصاها المواظبة ) أي المداولة ( على ذكر اللّه تعالى ) لما تقدم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن أفضل الأعمال فقال : « أن تموت ولسانك رطب من ذكر اللّه » وذكر اللّه تعالى إما ( بالقلب و ) إما ( باللسان ) وكل منهما مطلوب وأحدهما أفضل من الآخر ، فاما ذكر اللسان فله آداب وشروط مذكورة في رسائل السادة الصوفية ، وأما ذكر القلب فاختصت به السادة النقشبندية .
وكان شيخ المصنف أبو علي الروذباري أحد أركان هذه الطريقة وله آداب تختص به وشروط غريبة يقطع بها السالك سفر سنين في ليلة واحدة ، والحاصل أن هذه الأعمال أمرها سهل والسالكون يتلقون ذلك من أفواه شيوخهم ، ( وإنما الشأن ) كل الشأن ( في معرفة ما يفسدها ويشوشها ) وهو أهم ما يكون عند أهل المعرفة في الطريق ويشيرون إلى ذلك في نبذ من الكلام ولا يحوم حوله إلا الإفراد ، ( وهذا ) الذي أشرنا إليه ( مما يكثر شعبه ويطول تفريعه ) لأنه يستدعي إلى ذكر مقدمات وإبراز فصول مهمات ، ( وكل ذلك مما يغلب ) ويكثر ( مسيس الحاجة إليه ويعم البلوى في سلوك طريق الآخرة ) إذ هو حقيقة العلم النافع المقرب إلى ربه لا يعتني به إلا علماء الآخرة ، ( وأما علماء الدنيا فإنهم ) لا يحومون حوله إنما ( يتبعون غرائب التفريعات ) ونوادرها ( في ) مسائل ( الحكومات والأقضية ) ويحفظونها في صدورهم للإفتاء بها ( ويتعبون ) بسهر الليالي وإيداع البصر والفكر ( في وضع صور ) مجهولة الأثر ( تنقضي الدهور ) وتمضي الأعصار ( ولا تقع ) منها واحدة ، ( وإن وقعت ) فرضا ( وإنما تقع لغيرهم ) في عصر آخر ( لا لهم ) فقد بذلوا نفيس أعمارهم مجانا لعمارة الغير إنما مثلهم مثل الذي يثرد ويأكله الغير ومن يبني بيتا فيسكنه الغير ويتمتع به وخرج بنفسه صفر اليدين فيا لضلالة سعي هؤلاء ، ( وإذا وقعت ) تقديرا ( كان في القائمين بها كثرة ) وبركة ( و ) من العجب أنهم ( يتركون ما يلزمهم ) لزوما كليا ( ويتكرر عليهم آناء الليل وأطراف النهار في خواطرهم ) وهواجسهم ( ووساوسهم وأعمالهم ) في حركاتهم وسكناتهم ، ( وما أبعد عن السعادة ) الأبدية ( من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر ) كلا تلك صفقة غير رابحة ونتيجة غير صالحة إنما هو ( إيثار للقبول ) لدى العامة ( والتقرب من