سبحانه وشرها في أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا محققا عالما بالدقائق وجزاؤه من اللّه أن لا ينتفع في الدنيا بقبول الخلق ، بل يتكدر عليه صفوه بنوائب الزمان ثم يرد القيامة مفلسا متحسرا على ما يشاهده من ربح العاملين وفوز المقربين وذلك هو الخسران المبين . ولقد كان الحسن البصري رحمه اللّه أشبه الناس كلاما
شرح
الخلق ) بصفة ذلك ( على القرب من اللّه تعالى وشرها ) أي طمعا ( في أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا محققا ) للعلوم العقلية ( عالما بالدقائق ) من العبارات والمسائل ( وجزاؤه من اللّه تعالى أن لا ينتفع في الدنيا ) بعلمه ولا يمتع ( بقبول الخلق ) الذي جعله نصب عينه ، ( بل يتكدر عليه صفوه ) وأنسه ( بنوائب الزمان ) ومكدراته وشدائده بتسليط من يعينه في أموره عليه أحيانا وتنغيص عيشه بعدم وجدان مطلوبه أحيانا ، فإن الذي يرجو القبول معه إما صاحب جاه أو صاحب مال ، وصاحب الجاه لا يمكن استعارة جاهه في كل الأمور ، وصاحب المال إما أن يفيده أو يمنعه ، فإن أفاده مرة تطلعت نفسه لمثلها وصارت عادة ثابتة ولا يمكنه بذل ماله له في كل مرة لأن المال حبيب نفسه فينغص عليه بالعداوة وإن منعه فهو مبغوض عنده على كل حال ، وبالجملة فالمراعي لهم أحواله لا تخلص من أنواع الأكدار ( فيرد القيامة ) مع من ورد ( مفلسا ) من الأعمال الصالحة . يقال : أفلس الرجل إذا عدم فلوسه ( فيتحسر ) غاية التحسر ويندم غاية التندم ( على ما يشاهده من ربح ) العلماء ( العاملين ) للّه تعالى ( و ) من ( فوز المقربين ) لديه في أصحاب اليمين ( وذلك ) في الحقيقة ( هو الخسران المبين ) .
وقد انتزع المصنف رحمه اللّه تعالى هذه العبارة من القوت ورواها بالمعنى وسياق القوت أتم وأجلى فلا بأس أن نلم بذكره ليكشف ما عسى التبس في سياق المصنف ويزيده وضوحا قال :
واعلم أنه إنما يستبين العالم عند المشكلات في الدين ويحتاج إليه العارف عند حك الشبهات في الصدر ، وقد حصلنا في زماننا هذا لو وردت في معاني التوحيد مشكلة واختجلت في صدر مؤمن من معاني صفات الوحدة ، وأردت كشف ذلك على حقيقة الأمر مما يشهده القلب الموقن ويثلج له الصدر المشروح بالهدى ، لكان ذلك عزيزا في وقتك هذا ، ولكنت في استكشاف ذلك بين خمسة نفر :
مبتدع ضال يخبرك برأيه عن هواه فيزيدك حيرة ، أو متكلم يفتيك بقياس معقوله على ظاهر الدين ، أو صوفي شاطح يجيبك بالحدس والتخمين ويسقط العلم والأحكام ويذهب الأسماء والرسوم ، وهؤلاء تائهون ليسوا على المحجة ، أو مفت عالم عند نفسه مرسوم بالفقه عند أصحابه يقول لك هذا من أحكام الآخرة ومن علم الغيب لا نتكلم فيه لأنا لم نكلفه ، وهو في أكثر مناظرته يتكلم فيما لم يكلف ، ويجادل فيما لم ينطق فيه السلف ، ويتعلم ويعلم ما علمه بتكلف ، ولا يعلم المسكين أنه كلف علم يقين الإيمان وحقيقة التوحيد ومعرفة إخلاص المعاملة وعلم ما يقدح في الإخلاص ويخرج من جملته قبل ما هو فيه ، وأنه متكلف لبعض ما هو يبتغيه لأن علم الإيمان وصحة التوحيد وإخلاص العبودية للربوبية وإخلاص الأعمال من الهوى الدنيوية ، وما تعلق بها من أعمال