تعالى ، وكانت صورته دليلا على عمله ، فالجواد عينه فراره وعلماء الآخرة يعرفون بسيماهم في السكينة والذلة والتواضع ، وقد قيل : ما ألبس اللّه عبدا لبسة أحسن من خشوع في سكينة ، فهي لبسة الأنبياء وسيما الصالحين والصديقين والعلماء ، وأما التهافت في الكلام والتشدق والاستغراق في الضحك والحدة في الحركة والنطق ، فكل ذلك من آثار البطر والأمن والغفلة عن عظيم عقاب اللّه تعالى وشديد سخطه ، وهو دأب أبناء الدنيا الغافلين عن اللّه دون العلماء به ، وهذا لأن العلماء ثلاثة كما قاله سهل التستري
شرح
من رواية زهير بن محمد ، عن هدبة ، عن خرم سمعت مالك بن دينار يقول : يا عالم أنت عالم تفخر بعملك لو كان هذا العلم طلبته للّه عز وجل لرؤي فيك وفي عملك ، ( وكانت صورته دليلا على عمله ) أي صورته الظاهرة تكون كالمرآة يرى فيها ما أبطن من أعماله ، فالعمل إذا كان حسنا يظهر في صورته وهيئته ، فلذا تكون الصور دلائل على الاعمال حسنا وقبحا ، ( فالجواد عينه فراره ) وهو مثل يضرب لمن يدل ظاهره على باطنه . وفي الصحاح أن الجواد عينه فراره أي يغنيك شخصه ومنظره من أن تختبره ، وان تفرّ أسنانه .
وفي الأساس فرّ الجواد عينه أي علامات الجود فيه ظاهرة فلا يحتاج إلى أن تفره اه .
ويقال أيضا : الخبيث عينه فراره أي تعرف الحبيث في عينه إذا أبصرته ، ( فعلماء الآخرة يعرفون بسيماهم ) ويتميزون تميز الورد من السلم ( في السكينة والذلة والتواضع ) ، فهذه الأوصاف الثلاثة من لوازمهم لا تفارقهم في الأحيان كلها وهي من ثمرات اليقين ، ( وقد قيل :
ما ألبس اللّه تعالى عبدا لبسة أحسن من خشوع في سكينة ) أي : مع سكينة . هذه العبارة منتزعة من القوت . قال : ومما يدلك على الفرق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة أن كل عالم بعلم إذا رآه من لا يعرفه لم يتبين عليه أثر علمه ولا عرف أنه عالم ، إلا العلماء باللّه عز وجل فإنهم يعرفون بسيماهم للخشوع والسكينة والتواضع والذلة ، فهذه صبغة اللّه تعالى لأوليائه ولبسته للعلماء به :( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً )[ البقرة : 138 ] كما قيل : ما ألبس اللّه عز وجل عبدا ألحّ ثم قال :
( فهي لبسة الأنبياء وسيما الصالحين والصديقين والعلماء ) فمثلهم في ذلك كمثل الصناع إذ كل صانع لو ظهر لمن لا يعرفه ، لا يعرف صنعته دون سائر الصنائع ولم يفرق بينه وبين الصناع إلا الصناع فإنه يعرف بصنعته لأنها ظاهرة عليه إذ صارت له لبسة وصنعة لالتباسها بمعاملته فكانت سيماه . ( وأما التهافت في الكلام ) أي التساقط فيه والتزاحم عليه ( والتشدق ) أي إدارة الشدقين فيه بالفصاحة ( والاستغراق في الضحك ) أي الامتلاء فيه ( والحدة ) أي العجلة ( في الحركة والنطق ) بأن يبتدئ في الكلام قبل صاحبه ويبادره به ، ( فكل ذلك من آثار البطر ) أي من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها ( والأمن ) أي ومن آثار الأمنية كأنه أزيل عنه الخوف وصار مأمونا في نفسه ( والغفلة عن عظيم عقاب اللّه تعالى وشديد سخطه ) ، فإن من تيقن ذلك لم يطع نفسه في غفلاتها . ( وهذا دأب أبناء الدنيا ) وطريقتهم ( الغافلين عن اللّه تعالى ) المنسحبين تحت إمارة النفس الأمارة ( دون العلماء به ) عز وجل ، ( وهذا لأن العلماء