تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 689

مساهمون:

ص٦٨٩
يكون الإنسان في خلوته متأدبا في جميع أحواله كالجالس بمشهد ملك معظم ينظر إليه ، فإنه لا يزال مطرقا متأدبا في جميع أعماله متماسكا محترزا عن كل حركة تخالف هيئة الأدب ، ويكون في فكرته الباطنة كهو في أعماله الظاهرة إذ يتحقق أن اللّه تعالى مطلع على سريرته كما يطلع الخلق على ظاهره ، فتكون مبالغته في عمارة باطنه وتطهيره وتزيينه بعين اللّه تعالى الكالئة أشد من مبالغته في تزيين ظاهره لسائر الناس ، وهذا المقام في اليقين يورث الحياء والخوف والانكسار والذل والاستكانة والخضوع وجملة من الأخلاق المحمودة ، وهذه الأخلاق تورث أنواعا من الطاعات رفيعة ، فاليقين في كل باب من هذه الأبواب مثل الشجرة ، وهذه الأخلاق في القلب مثل الأغصان المتفرعة منها ،
شرح
به خبير كما تقدمت الإشارة إليه عن القوت ، ( وتمرته أن يكون الانسان في ) حال ( خلوته ) أي اختلائه عن أعين الناس ( متأدبا في جميع أحواله ) بالآداب الشرعية ( كالجالس بمشهد ) أي بمحضر ( من ملك عظيم ينظر إليه ) ويرمق أحواله في حركاته وسكناته ( فلا يزال مطرقا ) خافضا بصره إلى الأرض ( متأدبا متمسكا ) كذا في النسخ أي لبعضه ، ولو كان بزيادة النون بعد الكاف ناسب السياق ، وربما يؤيد ما في النسخ قوله بعد ( متحرزا عن كل هيئة تخالف الأدب ) . ومن جملة الحركات التي تخالف هيئات الأدب إدارة البصر وتكريره إلى نحو السقف والحيطان والتلاعب بثيابه أو بملبوسه أو بشيء موضوع عنده ، والجلوس متربعا ، وإلى غير القبلة وتمديد الرجل لغير علة والاتكاء لغير حاجة ، والتغني بأبيات ، وهذه وغيرها هيئات تخالف الأدب في الظاهر ، وأما باطنا فاستعمال الفكر وتسريحه من موضع إلى موضع ووقوفه على محل الشهوة والتأمل في محاسن ما تميل نفسه إليه ونسيان الذكر والموت والقبر وما يؤول الحال إليه في الحشر والنشر ، فهذه كلها مما يتعلق بالباطن ، ولذلك قال : ( ويكون في فكرته الباطنة كهو في أعماله الظاهرة ) أي : تكون أعماله الظاهرة مساوية لأعماله الباطنة في صدق الإخلاص والخضوع للمولى بحيث لا يميز أحدهما عن الآخر ( إذا تحقق ) وفي نسخة : إذ يتحقق ( أن اللّه تعالى مطلع على سريرته ) وباطنه ( كما يطلع الخلق على ظاهره ) ، فإذا علم ذلك ( فتكون مبالغته في عمارة باطنه وتطهيره ) من الأرجاس والأدناس ( والتزين لعين اللّه سبحانه الكالئة ) أي الحافظة له ( أشد مبالغة في تزين ظاهره لسائر الناس ) ، ومتى وصل هذا المقام ذاق ثمرة الإحسان الذي ورد فيه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك وللسادة الصوفية في هذا المقام تقريرات شريفة كل منهم فيه قال وجال في المجال بحسب ما أفاض عليه المولى المتعال . ( وهذا المقام في اليقين يورث الحياء والخوف والانكسار والذل والاستكانة والخضوع وجملة من الأخلاق الحميدة ) والأوصاف الجميلة ، ( وهذه الاخلاق ) إذا ثبت فيها وتمكن ( تورث أنواعا من الطاعات رفيعة ) المقدار جليلة الاعتبار ، ( فاليقين في كل باب من هذه الأبواب ) المذكورة مثله ( مثل الشجرة ) العظيمة الكثيرة الغصون وهي المرتبة الأولى ، ( وهذه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 689 | مرتضى الزبيدي