وهذه الأعمال والطاعات الصادرة من الأخلاق كالثمار وكالأنوار المتفرعة من الأغصان ، فاليقين هو الأصل والأساس وله مجار وأبواب وأكثر مما عددناه ، وسيأتي ذلك في ربع المنجيات إن شاء اللّه تعالى . وهذا القدر كاف في معنى اللفظ الآن .
ومنها : أن يكون حزينا منكسرا مطرقا صامتا يظهر أثر الخشية على هيئته وكسوته وسيرته وحركته وسكونه ونطقه وسكوته لا ينظر إليه ناظر إلا وكان نظره مذكرا للّه
شرح
الأخلاق في القلب مثل الأغصان المتفرعة منها ) وهي المرتبة الثانية ، ( وهذه الأعمال ) الصالحة ( والطاعات ) المقبولة ( الصادرة من الأخلاق كالثمار والأنوار المتفرعة من الأغصان ) وهي المرتبة الثالثة ، ( فاليقين هو الأساس والأصل ) ، والأعمال والأخلاق والأوصاف كلها من لواحقه ومنشآته . وقد تقدم عن القوت بيان مقامات الثلاثة وأنه قال بعد ذلك إذ كل موقن باللّه فهو على علم من التوحيد والمعرفة به ، ولكن عمله ومعرفته على قدر يقينه ، ويقينه من نحو صفاء إيمانه على معنى معاملته ورعايته ، فأعلى العلوم علم المشاهدة عن عين اليقين ، وقال أيضا : ومثل المشاهدة من المعرفة من اليقين من الايمان كمثل النشا من الدقيق من السويق من الحنطة والحنطة تجمع ذلك كله ، كذلك الايمان أصل ذلك والمشاهدة أعلى فروعه كالحنطة أصل هذه المعاني والنشا أعلى فروعها ، فهذه المقامات موجودة في أنوار الايمان يمدها علم اليقين ، ( وله مجار وأبواب أكثر مما عددنا ) هنا . ( وسيأتي في ربع المنجيات إن شاء اللّه تعالى ) ونلم هناك على تحقيقات بحول اللّه وقوته . اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا فسهل يا كريم . ( وهذا القدر ) الذي ذكرناه ( كاف في تفهيم معنى اللفظ الآن ) لأنه إنما ذكره استطرادا .
( ومنها ) : أي ومن علامات علماء الآخرة ( أن يكون ) في نفسه في أكثر أحواله ( حزينا ) . فقد أخرج أبو نعيم في الحلية من رواية جعفر بن سليمان ، عن مالك بن دينار قال :
إذا لم يكن في القلب حزن خرب كما إذا لم يكن في البيت ساكن خرب اه . ( منكسرا ) والانكسار من علامة الحزن ( مطرقا ) أي جاعلا رأسه ونظره إلى الأرض ( صامتا ) أي ساكنا سكوت تفكر في عظمة اللّه وجلاله ولا يضره الكلام إذا احتاج إليه أو لضرورة خاصة . وأخرج أبو نعيم من رواية عمرو بن محمد بن أبي رزين قال : سمعت وهيبا يقول إن العبد ليصمت فيجتمع له لبه ( يظهر أثر الخشبة ) والخوف ( على هيئته ) الظاهرة ( وكسوته ) بأن لا تكون من ثياب الشهرة ولا رفيعة الأثمان ، ولا من دق الثياب ، فان كل ذلك ليست من ثياب علماء الآخرة ، ( وسيرته ) الباطنة أي طريقته بل ( و ) جميع ( حركته وسكونه ونطقه وسكوته ) وسائر شؤونه ( لا ينظر إليه ناظر إلا وكان نظره ) له ( مذكرا اللّه تعالى ) ، فإنه إذا كان متصفا بما ذكر من الأوصاف فكل من وقع نظره عليه فإنه يميل له ويحبه ، فإذا راه ذكر اللّه الذي أعطاه هذه الأوصاف وجمله بها ، ويتوجه بكليته إلى اللّه تعالى في أن يكون مثل هذا وأشباه ذلك ، فإنه ذكر اللّه تعالى ، وهذا شأن الأولياء العارفين إذا رأوا ذكر اللّه وهم علماء الآخرة . وأخرج أبو نعيم